إذن: أقسامُهُ، أي: المجاز العقلي بحسب النوعين الذين هما الحقيقة اللغوية والمجازُ اللغوي، في جُزأيه المسند الذي هو فعلٌ أو ما في معناه، والمسند إليه، أربعٌ: هذا الخبر. بلا تكلفِ: يعني: بلا مشقةٍ في استخراجِه، لماذا؟ لأن القسمة العقلية هكذا، إذا قِيل: المسند فعلٌ أو ما في معناه؛ لا يخلو إما أن يستعمل في معناه اللغوي أو لا؟ الأول حقيقة والثاني مجاز، والمسند إليه إما أن يستعمل في موضعه أو لا. الأول حقيقة والثاني المجاز.
إما أن يتفقا حقيقتين، وإما أن يكونا مجازين، وإما أن يكونا مختلفين. الأول حقيقة والثاني مجاز .. الأول مجاز والثاني حقيقة:
أقسامُهُ بِحَسَبِ النَّوْعَيْنِ فيْ ... جُزْأيهِ أَرْبَعٌ بِلا تَكَلُّفِ
إما حقيقتان لغويتان: أنبتُ الربيعَ البقل، قالوا: الإنبات هنا الذي هو الفعل المسند هذا في محلِّه اللغوي، لم يُرد به إلا الإنبات الحقيقي، ليس له هو كناية أو مجاز عن النضرة؛ نضرة الأرض أو الرياحين ونحو ذلك؛ لأن الإنبات قد يُطلق بذلك، أو الأحياء قد يُطلق بهذا المعنى.
أنبتَ الربيعُ البقل، قالوا: هاتان حقيقتان، الربيع: هذا الفاعل هو المسند إليه وهو حقيقة، أو مجازان لُغويان: أحيا الأرضَ شبابُ الزمان، أو شباب العصر، أحيا الأرض، قالوا: هذا ما ذكرناه البارحة، قالوا: الإحياء معناهُ: إعطاء الحياة المعروفة التي تستلزم الروح والبدن، فحينئذٍ إذا قالَ قائل: أحيا الأرضَ، هل أعطاها حياة؟ لا، إنما المراد به مجاز عن النُّضرة والسَعة والرياحين والبساتين إلى آخره، هذه حياة الأرض .. هذه جنتها في الأرض:
أحيا الأرض شبابُ الزمان، أو شبابُ العصر، الزمان له شباب؟ ليس له شباب، إذن: الأول مجاز والثاني مجاز، استعمل في غير موضوعهما، إذن قال: المراد بأحيائها نضارتها بأنواع الرياحين والنبات، والإحياء في الحقيقة إعطاءُ الحياة وهي صفةٌ تقتضي الحسَّ والحركة وتفتقرُ إلى البدن والروح، وهذا ما ذكرناه البارحة: أن الصواب أن الجماد: هو ما ليسَ فيه حركة ظاهرة، وأن قولَ القائل بأن الجماد: ما ليسَ فيه روحٌ هذا باطل؛ لأن الشرعَ وصف الجمادات بأوصاف تقتضي أنّ لها حياةً خاصة في بعضها، ولها حواسّ خاصة، من التسبيح وإضافة القول إلى آخره.
حينئذٍ يكونُ اسمه جمادا من أي شيء؟ من الجمودُ وهو عدم الحركة، ولذلك نصوص متضافرة على وصفِ الجمادات بما قد يكونُ مشاركًا لبني الإنسان: (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) ) [الإسراء:44] ونسبح، وإن من شيء: كل شيء ما في السماوات وما في الأرض يسبح بحمده، أليس كذلك؟ كذلك وُصِفت الأرض والسماء: (( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا ) ) [فصلت:11] خاطَبَها فقال لها: ائتيا أمرها، (( قَالَتَا ) ) [فصلت:11] هذا وصف. اتصفت بالقول، أليس كذلك؟ فنُثبتُ أنها قالت، ونقول: هذا كناية، وإنما يُؤخَذ بلسان الحال كما يقول الكثير؟ نقول: لا، (( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) ) [فصلت:11] نطقت بهذا، ولا يلزم بهذا أنه لا بدّ أن نثبت لها لسان وأسنان وحركات وإلى آخره لا، نقول: نُثبِت ما أثبته الشرع.