فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 828

كذلك جاء في حنين الجذع وبكائه. جاءَ في سلام الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم. الشجرة التي أمرها بالقدوم والذهاب، وكذلك في أُحد: {أحدٌ جبلٌ يحبنا} إلى آخره، نقول: هذه كلُّها أوصاف تدلُّ على أن ثم حواس لهذه الجمادات، ما أثبته الشرع نثبته حقيقة، ولا نقول: مجاز: (( جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ ) ) [الكهف:77] قالوا: هذا مجاز؛ لأن الجدار جامد، والإرادة هذا من أوصاف الحي، نقول: لا، الجدار يريد له وصف إرادة، والوصف بالمحبة أيضًا يستلزمُ الإرادة: {أحدٌ جبلٌ يحبنا} إذن: الجبلُ يحبُّ، وهذا يقتضي ماذا؟ أن يكون مريدًا، لماذا؟ لأن المحبة أخصّ. استلزام أو إثبات الأخصّ يستلزم إثباتًا، إلى آخره كما ذكرناه البارحية.

الثالث، قالوا: أو المسند إليه .. أو المسند فيه، يعني: في المجاز العقلي حقيقةٌ لُغوية والمسند إليه مجاز لغوي: أنبتَ البقلَ شبابُ العصر، هذا ذكرناه؟ الأول: أحيا الأرض شباب الزمان .. أنبتَ البقلَ شباب العصر .. أنبت البقل هذا مسند، حقيقة أو لا؟ حقيقة، شبابُ العصر: هذا مجاز، المسند إليه مجاز لغوي، والمسند: أنبتَ البقل هذا حقيقة لغوية، عكسُهُ: أحيا الأرض الربيعُ، الربيع هنا حقيقة، وأحيا الأرض مجاز، إذن: كلّها مشترَكة من جهة التركيب مجاز لغوي، لذلك عندهم: أنبتَ المطرُ النبات، هو مجاز قطعًا ومجاز عقلي، لكن باعتبار الطرفين، أنبتَ المطر، هذا مجاز عندهم، لماذا مجاز؟

هم يقولون: مجاز .. مجاز عقلي، لماذا مجاز وليس بحقيقة؟ هذا له مأخذ عقدي، كل ما قِيل فيه مجاز هذا لا بدّ أن تنظُرَ: نفيُهم وعدولهُم عن الحقيقة إلى المجاز لكونه سببًا، والسببُ لا تأثير له عندهم، فحينئذٍ إذا كان السبب لا يؤثِّر في المسبب قالوا: الإسنادُ هنا مجاز وليس بحقيقة.

أنبت المطرُ، قال: المطرُ ليس له أي تأثيرٍ في البقل أو الإنبات، أنبتَ المطرُ النباتَ، ليس له تأثير، إذن الأصل: أنبتَ اللهُ النباتَ عند المطر، هكذا يقولون: عندَ المطر لا بالمطر، لماذا؟ لأنهم يُنكِرون تأثير الأسباب، ولذلك كلُّ ما قيل فيه: إنه مجاز، هذا لا بد أن يُنظر إلى عقيدة قائله: إن كان يعتقِدُ أن الأسباب لا تأثيرَ لها فحينئذٍ هذه شائبة عقدية، وإلا فإذا قيل مجاز فلا إشكال، لكن هم يُريدون هذا المعنى: أنبتَ المطرُ، قالوا: المطر لا تأثير له، وإنما المُنبِت في الحقيقة هو الله.

ونحن نقول ماذا؟ نقول: المطر سبَب، وتأثيره في الإنبات مُسبَّب، وخالقُ السببِ هو خالق المسبب، حينئذٍ إذا أُثبت أن النباتَ كان حصولُهُ بتأثير المطر، هذا لا يُنافي أن يكون الإنبات حصلَ بخلق الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل جعلَ لكل شيء سببا .. هي ليست بآية .. جعل لكل شيء سببًا، أليس كذلك؟ إذن: لا يمكن الإنسان يريدُ الولد ثم نقول له: لا تتزوج، إذا أردت الولد لا بد من النكاح، سبب أو لا؟ من خالق الجنين هذا؟ الله عز وجل، عنده أو به؟ به، يعني: بسبب، فجعلَ اللهُ عز وجل للسبب خاصية وتأثير في إيجاد المسبَّب، وهو خالقٌ للسبب وهو خالقٌ لما ترتب على السبب، هذا لا إشكالَ فيه عند أهل السنة والجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت