لكن كما هو معلوم أن قضية المسبَّب مع السبب فيها طرفان ووسط: المعتزلة على أن الأسبابَ لها مؤثرات استقلالًا عن قدرةِ الله عز وجل وخلقه، وهذا مذهبٌ باطِل، وعندَ الأشاعرة ومَن على شاكلتهم: أن الأسبابَ لا تأثيرَ لها البتة، وعند أهل السنة وسط: أن الأسبابَ مخلوقة لله عز وجل، وأن المُسبَّبات مترتبة على وجود الأسباب.
ولذلك يُؤولون آيات كثيرة: (( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ ) ) [الأنفال:2] هذا يمثِّلون له بالمجاز: (( زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ) ) [الأنفال:2] قالوا: الآيات هذه لا تزيد الإيمان، وإنما زادَ الإيمان عند تلاوتها، فنقول: لا هي سبب، وجعَلَ الله عز وجل تأثيرًا لهذه الآيات، وكون لها تأثير لا ينفي أن يكون الإيمان بقدرة الله عز وجل، أو أنه خارجٌ عن قدرته؟ قالوا: إذا أثبتنا المسبَّب أنه ثابت بهذا السبب قد يكون هذا يُفهم أنه خالق، فالإنباتُ حصلَ بالمطر، إذن: المطر هو خالق هو المحُدث، قلنا: هذا لا يلزم، خالقُ السبب هو خالقُ المسبب.
وَوَجَبَتْ قَرينَةٌ لفظيَّةْ ... أَوْ معنَوِيَّةٌ وَإِنْ عادِيَّةْ
المجاز العقلي لا يُصرَف إلى المجاز إلا بوجود قرينة تدلّ على مُراد المتكلم، وهذه قرينة قد تكون لفظية أو معنوية وإن عادية، ووَجَبت: من الوجوب وهو الثبوت، ووَجبت قرينةٌ، يعني: ما دلَّ على المراد لا بالوضع، قرينةٌ صارفةٌ له عن إرادة ظاهرِهِ، إذ لو لم تكن ثم قرينة لحُمِل على أنه حقيقة عقلية، هذه القرينة قد تكونُ لفظية، يعني: يقول القائل: أنبتَ الربيعُ البقلَ، ثم يقول: الله خالقُ كلِّ شيء، ينطق بهذا، كما قال هناك:
مَيّزَ عَنه قُنْزُعًا عن قُنْزُعِ جَذبُ الليالي أبطئي أو أسرعي
ميَّزَ: هذا كنَّى به عن الشيب في الرأس، ميز .. قال: جذب الليالي، يعني: سرعة مُضي الليالي، ميَّزَ جذبُ الليالي .. جذب الليالي: هذا مسندٌ إليه، قد يُفهم أنه يُريدُ إسناد الشيء إلى غير ما هو له، نقول: لا بدَّ من قرينة لجعل هذا التركيب أنه مجازٌ عقلي، قال:
أفناه قِيِلُ الله للشمس اطلُعي ..
إذن: دلَّ على أنه يعتقد ماذا؟ يعتقد قولَ الجاهل أو لا؟ لا، لا يعتقدُ قولَ الجاهل، قول الجاهل يعتقد أن: أنبتَ الربيعُ البقلَ بذاته مستقلا عن إرادة الله عز وخلقه، هنا ظاهرُهُ؛ ظاهر قول الجاهل، ميّزَ جذب الليالي مثله، لكن هذا نصَبَ قرينة على أن الإسناد هنا ليس استقلالًا، وإنما هو بقدرة الله عز وجل، حينئذٍ يسمى هذا مجازًا لوجود هذه القرينة اللفظية.
أو معنوية، يعني: كأن يستحيلُ قيامُ المسند بالمسند إليه، محبتك جاءت، أو جاء بمحبتي إليك، المحبة تتصف بالمجيء؟ قالوا: لا، وهذا نردُّه إلى ما ذكرناه سابقًا: أنه سببٌ وله تأثير؛ لأن المحبّة تؤثِّر في القلب تؤزُّ صاحبها أزًّا، لا بد أن يتحرَّك، نقول: هذا سبب، لكن على طريقتهم قالوا: هذا يستحيل قيامُ المسند إليه بالمسند، المحبة لا تتصفُ بالمجيء، جاء محبتك .. جاءت بي إليك لظهور استحالةِ قيام المجيء بالمحبة؛ لأنها وإن كانت داعيةً إلى الفعل، والداعي لا يكون فاعلًا، هذا أيضًا فيه نظر.