فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 828

قدَّمَ الحذفَ هنا على الذكر، وأيهما أصل؟ هذا الأصل: أن يكونَ الذكرُ أصلًا للحذف، فيُذكَر المسند إليه على الأصل. على القاعدة: أن عدمَ الحذف أولى من الحذف، لكن ليس على إطلاقه.

نقول: قدَّمَ الحذف على سائر أحواله؛ لكون الحذفِ عبارةٌ عن عدمِ الإتيان به، وعدم الحَادث سابِقٌ على وجوده؛ لأن الحذفَ المراد به: عدمُ الإتيان به، وعدمُ الإتيان به هذا عدم، والعدمُ سابقٌ على حدوثِهِ، فكان الأولى أن يقدِّمه، ولذلك إسقاطُهُ بعد إمكان وجوده، ولذلك عبَّروا بالحذف ولم يُعبِّروا بالترك؛ لأن التركَ لا يدلُّ على أنه يُذكر ثم يُسقَط، وأما الحذف لا، فإنه يُشعِر بأنه إسقَاطٌ بعد ذكرٍ.

ولذلك الحذف نوعان:

الأول: ما يكون منويًّا في التقدير، يعني: مراعىً، يقدِّره المتكلم يعني ينويه: {إنما الأعمال بالنيات} نقول: الحمد لله، لله: جار مجرور مُتعلّق بمحذوف، المحذوف هو الخبر، هذا محذوف أو لا .. لكنه مَنْوي أو لا؟ مَنوي، مقدَّر أولا؟ نعم.

الثاني: ما يكون نسيًا منسيًا، يعني: لا يُراعى من جهة النية، وإنما يكون مُسقَطًا ولا يُلتَفَت إليه، لا عند التقدير ولا عند المراعاة، مثَّلوا له بفاعل المصدر، هذا يجبُ حذفُهُ من المواضع التي يجب حذفُ الفاعل أن يكون مصدرًا.

فحينئذٍ إذا حُذِف، هل ننويه؟ لا .. هل نقدِّره؟ لا .. هل عند الإعراب نذكره؟ نقول: لا، كذلك فاعلُ المفعول به إذا ارتفع، على أنه نائب الفاعل: ضُرِبَ زيدٌ، أصلها: ضَرَبَ عمروٌ زيدًا، حُذِف الفاعل، أليس كذلك .. هذا حذف أو لا؟ حُذِف المسند إليه، حَذفُ المسند إليه في هذا التركيب، هل هو منوي مقدر، أم أنه تُرِكَ وجُعِل نسيًا منسيًا؟ الثاني، ولذلك تقول ضُرِبَ: فعلٌ مُغَيَّر الصيغة، وزيدٌ: نائب فاعل، ولا تقول: ضُرِبَ، والفاعل محذوف تقديرُهُ عمرو أو كذا، أليس كذلك؟ لا تعربه هكذا، وإلا كنت أعجميًا، لماذا؟ لأن هذا الحذف لم يُراعَ من جهة التقدير، يعني: العربي الفصيح حَذَفَ بعضَ المسند إليه، أو بعض الكلمات ولم يجعلها في حكم المنْوي.

إذن: ليس كلُّ محذوفٍ يكون مَنويًا مُقدَّرًا .. ليس كل محذوف يكون ماذا؟ يكون مَنويًا مُقدّرًا، فإذا جُعِل مَنوِيًا مُقدرًا حينئذٍ هو الذي نبحث عنه في هذا الموضع، وأما ما جُعِل نسيًا منسيًا فهذا كأنه لم يُذكر أصلًا.

إذن: عرَفنا لماذا قدّم بحث الحذف على الذكر، البحث الأول في حذفه، يعني: في حذف المسند إليه، وحذفُهُ يتوقف على أمرين، يعني: ليس كلُّ حذفٍ يكون من أحوال المسند إليه، بل لا بد من وجود أمرين:

الأمر الأول: قابلية المقام بأن يكون السامِعُ عارِفًا به، يعني: بمتَعَلَّقه، مُتمَكِّنًا من معرفة المحذوف، يعني: لا بدّ من ذِكرِ قرينةٍ تدلّ على المحذوف. لا يجوز الحذف إلا بقرينة، ولذلك قَعَّدَ ابن مالك قاعدة في النحو. في أبواب النحو كلِّها، فقال: وحَذفُ مَا يُعلَمُ جائزٌ

هذه ليست بباب المبتدأ فقط، بل كلُّ بابٍ من أبواب النحو فهو داخلٌ في هذه القاعدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت