إذن: الأصلُ في اللغة التوقيف؛ لأنها مِن عند الرب جل وعلا، ولذلك لا يجوزُ القياس مطلقًا، يعني: لا يصحُّ أن يُسمى الماء حجرًا، ولا الحجر ماءً، ولا السماء أرضا، ولا أرض سماء. يعني تبديل الألفاظ هذا لا؟؟
كَحبذا طريقةُ الصوفيَّةْ، يعني: المواضع التي يجِبُ فيها حذفُ المبتدأ ذكَرَ منها موضعًا واحدًا ضِمنًا لا تصريحًا، وهو مخصوص (نِعمَ) و (بئسَ) : نِعمَ الرجل زيدٌ، من الأوجه المشهورة: نِعمَ الرجلُ: فعل وفاعل، زيدٌ: خبرٌ لمبتدأ محذوف أي: هو زيدُ، حذَفَ المسند إليه، لماذا؟ لماذا حُذِفَ المسند إليه هنا؟ نعم، الاستعمال هكذا، الاستعمال.
مخصوص (نِعمَ) و (بِئسَ) من الأوجه في إعرابه: أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، حينئذٍ لا يُعلَّل. لا نقول للاختبار ولا نقول: صحة الإنكار، ولا الستر إلى آخره، وإنما نقول: هكذا استعملته العربُ فنقفُ على ما وقفت عليه العرب فنقول: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، زيدٌ: خبرٌ لمبتدأ محذوف.
كَحبّذا طريقةُ الصوفيَّةْ، حبّذا: هذا مما حُذِف فيه المسند إليه لاتباع الاستعمال حبذا، حبذا مثل (نِعمَ) :
ومثلُ نِعمَ حبذا الفاعل ذا وإن تُرِد ذمًا فقل: لا حبذا
ومثل (نِعمَ) حبّذا، الفاعل (ذا) حب .. حبّذا زيدٌ، حبَّ: فعلٌ ماضي، وذا: فاعله، وزيدٌ: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أو الممدوح، وَجبَ حَذفُ الخبر .. وجبَ حذفُ المسند إليه وهو المبتدأ اتباعًا للاستعمال.
كَحبذا طريقةُ، طريقة: هذا خبر مبتدأ محذوف، طريقةُ الصوفيَّةْ: هذا جرى على ما مرَّ معنا مرارًا: أن المصنف يسير في بعض الوسائل على طريقة الصوفية.
تهدي: هذه جملةٌ تعليلية، لماذا حبّذا طريقة الصوفية؟ تهدي، يعني: تُوصِل إلى المرتبة العلية، يعني: مرتبة المقام الثالث، وهو مقام الإحسان، وهذا الكلام فيه نظر.
إذن: هذه مرجِّحات الحذف على الذِكر، نقول: الأصلُ أنه يُذكَر اللفظ، وحينئذٍ إذا كان البياني يَنظم في حَذفِ المسند إليه، فلا بُد أن يكون واحدًا من هذه الأمور المذكورة، وغيرها كثير عند البيانيين، وإنما هذه يذكرُونها على جهة التمثيل، ثم قد يَتداخَل بعضها، بل الكثير مُتداخِل، يعني: مثال واحد يصلُح لأكثر هذه المذكورات:
كَـ"حبَّذا طَرِيقَةُ الصُّوفيَّةْ ... تهدِي إلى المرتَبَةِ العليَّةْ"
البحث الثاني: في ذكرِهِ وله مرجِّحات، يعني: في ذكر المسند إليه، متى يترجَّحُ ذِكره على حَذفه؟ في الأول نقول: متى يترجَّح حذفُهُ على ذكره؟ في مواطن منها كذا وكذا.
الآن في ذكره: متى يترجَّح ذكرُ المسند إليه على حذفه؟
واذكُرْهُ لِلأَصْلِ هذا الأول: للأصل؛ لأن الأصل الذكر دون الحذف، والأكثر والراجح في الكلام: ذكر المسند إليه، فحينئذٍ إذا لم يكن ثَم متعلَّقٌ للحذف فاذكره، واذكره: هذا أمرٌ، والأمر يقتضي هنا الوجوب، لكن ليس المراد به الوجوب، وإنما المراد به الاستحباب، لماذا؟ لأن المقام هنا في مقام بيان ما هو أولى، وإذا كان كذلك فحينئذٍ يكون من باب الترغيب.
واذكُرْهُ لِلأَصْلِ، يعني: لكون ذكرِهِ هو الأصل، واذكره: الضمير يعود إلى المسند إليه.