أو تقديرًا، نحو: جاءَ وهو راكب زيدٌ، (هو) الضمير يعودُ على"زيد"، لكنه متأخِرٌ لفظًا متقدِّمٌ تقديرًا .. رتبةً، فحينئذٍ رجعَ الضمير هنا على مُتقدّمٍ تقديرًا لا لفظًا، ومثله .. مثّلَ بعضهم على كلام فيه: ضَربَ غلَامَهُ زيدٌ، ضَرَبَ زيدٌ غُلَامَه، لا إشكال فيه ضَرَبَ غلَامَهُ زيدٌ، غلَامَهُ، الضميرُ يعودُ على زيد، وهو متأخِّر في اللفظ؛ لأنه نُطِق به .. تلفظ به متأخرًا بعد الضمير.
والأصل أُن يُتَلَفَّظَ بِمرجع الضمير قبله لا بعده، ولكن هنا في اللفظ يرجع إليه الضمير، لا في التقدير والمعنى، لماذا؟ لأن المتأخّر هذا فاعل، وعاملُهُ الذي هو الفعل تقدَّمَ، فحينئذٍ أصلُ التركيب: جاء زيد وهو راكب، التركيب السابق، فعادَ إلى مُتقدم لفظًا ورتبة.
إذا قلت: جاءَ وهو راكب زيدٌ، عادَ الضمير على متأخِّرٍ في اللفظ فقط لا في الرتبة، ومثله: ضَربَ غلَامَهُ زيدٌ، ضَرَبَ: فعل ماضي، زيدٌ: فاعله، غلامه: هذا مفعول به أُضيفَ إلى ضمير، مَرجِع الضمير هو الفاعل، إذن: اتصل المفعول به بمضير يعود على الفاعل، سواء كان الفاعل متقدِّمًا في اللفظ أو متأخِّر، نقول: هذا مُستَساغ بلغة العرب، لكن الأصل أنه يعودُ عليه وهو متقدمٌ في اللفظ والرتبة، فإن تأخَّر الفاعل في اللفظ فلا يلزمُ منه تأخره في الرتبة؛ لأن استحقاقَهُ أن يكون: متقدّمًا متصلًا بعامله:
والأصل في الفاعل أن يتصلا ..
فحينئذٍ نقول: ضَربَ غلَامَهُ زيدٌ، ضرب غلامه: الضميرُ يعودُ على متأخر في اللفظ لا في الرتبة، وحينئذٍ يعود إلى مَرجِعه وهو: الفاعل تقديرًا .. يعودُ إلى الفاعل وهو مرجعُهُ تقديرًا، أو معنىً نحو: (( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) [المائدة:8] مَرجِعُ الضمائر من علامات الاسمية، أليس كذلك؟
(( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) [المائدة:8] مِن حيث المعنى المشار إليه لا يَكونُ إلا اسمًا على القاعدةِ المطردة، فحينئذٍ لزِمَ أن نُقدِّر لمرجعِ الضمير اسمًا من جملة: اعدِلوا؛ لأننا لو التزمنا أن الضمير رَاجِعٌ إلى (اعدلوا) لحكمنا على (اعدلوا) بأنه اسم، والواقع ليس كذلك.
فحينئذٍ لا بدّ من النظر في المعنى مُراعاةً للقاعدةِ المطردة، فنشتقُّ مِن (اعدلوا) العدلَ فيكونُ هو مرجع الضمير، إذن: (( اعْدِلُوا هُوَ ) ) [المائدة:8] أي: الضميرُ يعودُ على العدل، هذا مأخوذٌ من جهة المعنى.
أو قرينةُ حال: (( حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) ) [ص:32] ما هي التي توارت؟ مِن أينَ أخذت هذا؟ قالوا: مِن السياق والقرائن، السياق والسباق مُحكَّم، فحينئذٍ نظروا فإذا به يعودُ على الشمس: (( حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) ) [ص:32] أي: الشمس بدلالة السياق الدال على فوات وقت الصلاة، مع قرينة ذكرِ العشي والتواري بالحجاب.
قالوا ومثلُهُ: (( وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ) ) [النساء:11] (( لِأَبَوَيْه ) ) [النساء:11] مَن؟ الميت نعم، هل ذُكرَ الميت؟ ما ذُكِرَ: (( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ ) ) [النساء:11] إلى آخره، قال: (( لِأَبَوَيْه ) ) [النساء:11] أي: الميت ما ذُكِر، لكنه من جهة المعنى أُخِذ هذا، يعني: بالسياق والقرائن.