نقول: خروجُهُ عن أصل وضعه في لغة العرب هذا خلاف الأصل، وإذا كان كذلك فلا بدّ من نُكتةٍ وفائدة يَعدِلُ عنها المتكلم إلى غيرها، ما هي هذه النكتة؟ قال: الشمول، بمعنى أنه لا يُرادُ به واحدٌ بعينه، ليعمَّ كل مَن يتأتّى منه أن يكون مخاطبًا: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ) ) [السجدة:12] ترى: خطابٌ لواحِد، سواءً كان المخاطَب به النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنتَ عندما تَقرأ: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ) ) [السجدة:12] ترى أنتَ أيها القارئ، ترى الواحد، هل المراد المخاطَبُ به مثلما أقولُ: ترى يا أنور كذا؛ هل ترى ذلك؟ لا ليس المراد، هنا المراد به: المعين.
هل ترى أنتَ هذا الأمر؟ هذا يكون الخطاب لمُعين، لكن قد يُنْزَعُ هذا المعنى فيُقصَدُ به الشمول ليُعمَّ كلُّ من يتأتى منه الرؤيا، فلا يختص حينئٍذ براءٍ دونَ راءٍ آخر، بل كل مَن يتأتّى منه أن يكون ناظرًا ورائيًا، فحينئذٍ يكون داخلًا في الخطاب.
فقوله: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ) ) [السجدة:12] وكثيرٌ في القرآن هذا: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ ) ) [السجدة:12] يعني: بلَغَ هذا الموقف من الظهور والفظاعة ما أنه لا يخفى على راءٍ دون راءٍ، بل الكلُّ يرى، هذا شامل أو لا .. الشمولُ واضِح أو لا؟ نعم واضح، لكنه شمولٌ بدلي.
إذن، قولُهُ: والتركُ للشمول، أي: التركُ في بعضِ الأحيان لغرضٍ، فيُترَك الخطاب مع مُعيّنٍ إلى غيره على سبيل المجاز، بأن يُجعَلَ غير الحاضر كالحاضر، ليَعُمّ كل مخاطبٍ على سبيل البدل كقولك: فلانٌ لئيمٌ، إن أكرمتَهُ أهانَك، وإن أحسنت إليه أساءَ إليك، فلان لئِيمٌ إن أكرمتَه، الشاهد: التاء، هل المراد أنتَ فقط، أم إذا أُكرِمَ؟ الثاني، إذن ليسَ المراد بأكرمتَهُ الخطاب لمعين، وإنما المرادُ أن فلان اللئيم هذا، إذا أُكرِمَ من أي مُكرِمٍ، وإذا أُحسِنَ إليه، بصيغة المبني للمفعول، وإذا أُحسِن إليه من أي محسن فهو لئيم، إن أُكرَم أهانك، وإن أكرم حينئذٍ يسيء إليك، حينئذٍ لا يُراد بـ: إن أكرمته، أو إن أحسنتَ، الخطاب هنا لمعين، بل المراد به: الشمول.
فلان لئيمٌ إن أكرمتَه أهانكَ وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تُريد به مخاطبًا بعينه، بل تريد: إن أُكرِمَ، أو أحسن إليه، فتخرجُهُ في صورة الخطاب ليَعُمّ، وأن معاملته بهذه المعاملة السيئة لا تختصّ بواحدٍ دون آخر، يعني: لا يخصك أنت فقط إذا أكرمته لا، كل من أكرمه أهانه، وكل مَن أحسنَ إليه أساء إليه.
فحينئذٍ صار هذا المثل أو صارت هذه المقولة تُفيد العموم، مع كون الضمير هنا لمخاطِبٍ معيّن، نقول: لا، ليس المراد به مخاطب مُعيّن، إنما المراد به: كلُّ من يتأتى منه الإكرام، وكل مَن يتأتى منه الإحسان إلى هذا الشخص، فحينئٍذ تكون المقابلة للإهانة والإساءة.
وهو في القرآن كثير: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) ) [السجدة:12] أُخرِجَ في صورة الخطاب لما أُرِيدَ العموم لقصدِ إلى تفضيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى امتنعَ خفاؤها، فلا تختصُّ بها رؤية راءٍ مختص به، بل كلُّ مَن يتأتى منه رؤيةٌ داخلٌ في هذا الخطاب.