فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 828

(( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ ) ) [العنكبوت:17] إن آلهتكم لا تملِكُ لكم رزقًا، يصحّ؟ لكن عُدِلَ عنه لإظهار أنهم قد عَدلوا بهذه العبادة .. (( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) [العنكبوت:17] إذن: خطأٌ في الاعتقادِ، وبيان بأنك قد أخطأت في اعتقادك، واضح هذا؟

(( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) [العنكبوت:17] يُمكن أن يُقال: تعبُدُون كل ما عُبِدَ من دون الله فهو إله، يُطلق عليه أنه إله في الشرع: أألهةٌ، سُمي في الشرع: (( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ) [المؤمنون:117] كثير هذا، بخلافِ ما يظنُّه المناطقة هناك، يقولون: إله هذا كُليٌ لا يوجد منه إلا فردٌ واحد، وهذا باطل ليس بصحيح، أليس كذلك؟ مَضى معنا هذا، وإنما نقول: هذا له متعلِّق كثير، وإنما الإله الحقّ هو الواحد، وكل مَن صُرِف إليه شيءٌ من العبادة فقد اتخذهُ العابدُ إلها؛ ً عبدَهُ من دون الله: (( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) [العنكبوت:17] إذن: صيّرتموهم آلهة.

فإذا وُجِدت العبادة من العابد لغير الله عز وجل فقد اتخذه إلهًا، كلّ مَن صرف العبادة عن غير الله، حينئذٍ قد اتخذَ ذلك المعبود إلهًا من دون الله، فكيف يقول المناطقة هنا: بأن إله هذا لا فردَ له في الخارج إلا الإله الحق، نقول: هذا ليس صحيح، هذا يردُّه الكتاب والسنة، واضح هذا؟

إيماءٍ، يعني: وإيماء، كلها معطوفة بالواو على حذف الحرف، إيماءٍ، يعني: الإشارة، الإيماء إلى وجهِ بناء الخبر، قد يُعدَل عن ذكر المسند إليه باسمه إلى ذكر الموصول مع صلته، لبناءِ أنّ الحكم الذي هو المسند إنما بُنيَ على المسند إليه؛ لوجودِ الصلة؛ جملة الصلة: الذين آمنوا لهم جنات النعيم، جنات النعيم: هذا مسنَد، أليس كذلك؟

ما وجهُ بناءِ الخبر؛ الحكم الذي هو ثبوتُ جنات النعيم للمسند إليه، مِن أين نأخذ هذا؟ ما وجه البناء؟ ما المناسبة؟ وجود صفة الإيمان، ما الذي دلَّ عليه؟ صلة الموصول.

إذن: إذا أُرِيدَ الإشارة إلى وجه بناءِ الخبر على المبتدأ الذي هو المسند إليه حينئذٍ يُعدَلُ عن التصريح بالاسم إلى الصلة؛ إلى الموصول مع صلته: الذين آمنوا لهم جنات النعيم، المؤمنون لهم جنات، قد يُصرِّح بالاسم، لكن لما أراد الإشارة إلى أن تصريحًا؛ إلى أن الإيمان هو سبب تَرتُّب الحكم الذي هو المسند على المسند إليه أتى بالصلة.

إيماءٍ، يعني: الإيماء إلى وجه بناءِ الخبرِ على المبتدأ، مثَّلَ له غيرُ واحدٍ من البيانيين بقوله جل وعلا: (( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ) [غافر:60] إن الذين: هذا المسند إليه في الأفصح، سيدخلونَ جنهم: هذا هو الخبر .. هو المسند، ما عِلّة ترتُّبِ المسند الذي هو الحكم على المسند إليه؟ نقول: أشارت إليه الصلة، وهو الاستكبار عن عبادة الله عز وجل، وهذا كثير في القرآن، وهو مِن مسالك العلل عند الأصوليين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت