ما كان أكثرَ استعمالًا في لغة العرب لا بد أن يكون خفيفًا، سواء كان مِن جهة الحروف ومخارجها .. من جهة قلّة الحروف كلمة .. من جهة حركات الحروف، كلُّ ما كَثُرَ استعماله لا بد أن يكون خفيفًا.
ولذلك لو نظرت وجدتَ أن الأفعال والأسماء الثلاثية المؤلَّفة من ثلاثة أحرف أكثر لغة العرب، افتح القاموس .. افتح اللسان تنظر فإذ تبحثُ فإذا الثلاثيات من الأسماء والأفعال أكثر الأفعال، لماذا؟ لخفَّتها على اللسان، ثم تجدُ الرباعي بعدَه في الرتبة أقل، وتجد الرباعي المؤلَّف من أربعة أحرف سواء كان أسماء أو أفعال تجدُه أكثر من الخماسي، لماذا؟ لأنه أخفّ على اللسان.
حينئذٍ صارت خِفّة الرباعي خِفّة نسبية، باعتبار الثلاثي الرباعي ثقيل، وباعتبار الخماسي الرباعي خفيف، ولذلك مِن الأفعال وَضعوا .. وُجِدَ السداسي من الأفعال، أليسَ كذلك؟ لكن أصلي أو بالزيادة؟ بالزيادة، ولا يُوجَد فعل خماسي وهو من الأفعال وحروفه كلها أصول لا يُوجَد، بل لا بد أن يكون بالزيادة.
أما في الأسماء فيُوجَد من الأسماء ما هو خماسي وحروفه كلها أصلية: جَحمَرِشٌ، هذا خماسي وهو خمسة أحرف، أما سداسي وسباعي فهذا فيه تفصيل.
الشاهد: أن مذهبَ الخليل (أل) برُمّتها .. مذهب سيبويه (أل) والهمزة همزة الوصل حرفٌ زائدٌ مُعتدٌّ به وضعًا .. مذهبُ الجمهورِ أنها (اللام) فقط، واجتُلِبت همزة الوصل للتمكُّن وابتداءً بالساكن، ومذهَب المُبَرِّد أنها (الهمزةٍ) فقط، وجيء باللام دفعًا لتوهم أنها همزة استفهام، هذا غريب!
الرجل، يقول: أصلُها أرجلٌ قائمٌ، حينئذٍ يلتبِسُ هل هي همزة استفهام، أم همزة تعريف؟ حصلَ لبس، إذا قلت لك: أرجلٌ قائمٌ، ما تدري هل أنا أقول لك: الرجل قائمٌ أحكُمُ على الرجل بأنه قائم، فتكون الجملة خبرية، أم أنا أستفهم: أرجلٌ قائمٌ تقول: نعم، أو لا؟ فالتبسَ، قال: فجِيء باللام هذه للفرق بين همزة الوصل .. همزة التعريف، وهمزة الاستفهام، فإذا رأيتَ اللام: الرجل قائمٌ، عرفت أن الهمزة هذه همزة تعريف وليست همزة استفهام.
على كلٍّ: اثنان ثُنائيان، واثنان أُحاديان.
وكونُهُ باللاّمِ: عرَفنا .. قال: في النحوِ دُرِي، يعني: يُعلَمُ حكمُهُ في النحو، لماذا؟ لأنّ هذا المبحث الذي ذكرناه سابقًا إنما يبحث عنه النحاةُ، ثم جَعلوا (أل) لها معنى، هذه (أل) إذا نظرنا فيها من جهة اللغة، إذن: كلمة، أليس كذلك؟ كلمة أو لا؟ هل لها معنى أو لا؟ قد تكون اسمية فتتضمَّنُ معنىً في نفسها، كما هو شأن الأسماء، وقد تكون حرفًا فتدلُّ على معنىً في غيرها، لأن هذا الشأن في وضعِ الحرف: أنه لا يتضمَّنُ معنىً في نفسه، وإنما يدلُّ على معنىً في غيره، بمعنى: أنه لا يظهَرُ معناه الذي وُضِع له في لسان العرب إلا إذا جُعِلَ بين رابطين، لذلك بعضهم يُعبِّرُ كالتوصيل الكهرباء والمسجل، هذه وظيفة الحرف.
حينئذٍ له معنىً، لكنه لا يظهرُ في نفسِهِ، و (أل) هذه قد تكون اسمية، وقد تكون حرفية. إذا كانت اسمية فهي موصوليّة، وإذا كانت حرفية فهي إما مُعَرِّفة، وإما زائدة، الآن نريدُ أن نصِلَ إلى ما يذكره الناظم هنا.