والقاعدة عندهم: أنه لا يجوزُ زيادةُ حرفٍِ أو معنىً إلا لفائدة، فإذا أمكنَ أن يُؤدّى المعنى بنكرة لا يجوزُ العدولُ إلى معرفة، إذا استوى الأمر .. الحاجة التي أرِيِد أن أخبِرَ المخاطب بها .. إذا أُدِّيت بالنكرة حينئذٍ إتيانك بالمعرفة .. المعرفة فرع لا بد من زيادة على النكرة .. إتيانُك بالمعرفة يُعتبَرُ حشوًا، فيبقى الأصل في الحكم أن يكون نكرة، هذا تعليلُ المسند، لماذا يكون نكرة في الأصل؟ لأنه حُكم، والحكمُ يحصُلُ بإيراد اللفظ نكرة.
إذن: لا داعي للزيادة بأن نأتي باللفظ معرفةً، فإن جَيءَ باللفظ معرفةً مع إرادةِ إفادةِ الحكم فقط لا لأمر زائد، حينئذٍ صارَ حشوًا .. صارَ حشوًا في الكلام، ذكرنا هذا في شرحِ الملحة فيما سبق.
وَنَكّروا: هذا هو البحث الرابع.
وَنَكَّرُوا إِفرادًا اوْ تَكْثيرا ... تَنْوِيعًا اوْ تَعظِيمًا او تَحْقِيرا
كَجَهْلٍ اوْ، في بعض النسخ: وَجَهْلٍ.
كَجَهْلٍ اوْ تجاهُلٍ تَهْويلِ ... تَهْوِينٍ اوْ تَلْبِيسٍ اوْ تَقْليلِ
وَنَكّروا، أي: أَتوا بالمسند إليه نكرةً، متى يُؤتى بالمسند إليه نكرة؟ وَنَكَّروا إِفرادًا: مِن مرجِّحاته .. الإتيان بالمسند إليه نَكرةً .. من مُرجِّحاته قال: إِفرادًا، إفرادًا هذا منصوب على ماذا؟ نعم، لأجلِ إفراده، مفعول لأجله، كل الذي سيأتي مفعول لأجله، وَنَكَّروا إِفرادًا، إفرادًا: هذا نقولُ: مفعولُ لأجله، يعني: لأجل إفادته الإفراد.
فمِن مُرجِّحاته، يعني: كونه منكرًا: القصدُ إلى فردٍ مما يصدُقُ عليه اسم الجنس وحدةً شخصية، مثل ماذا؟ تقول: جاءني رَجلٌ، يعني: واحد، تريدُ ماذا؟ تريد أن اسم الجنس الذي هو النكرة على القولِ بأنهما مُترادفان هذا المشهور، جاءني رجلٌ، رجلٌ: هذا نكرة، يصدُق على ماذا؟ قلنا: النكرة ما شاعَ في جِنسٍ موجود أو مقدَّر، هو موضوع للماهية في الذهن، بقيد وجودِها في فردٍ واحد لا بعينه، والمطلق؟ موضوع للماهية لا بقيدِ وجودها في فردٍ، وكلٌ منهما يصدُقُ في الخارج على فردٍ واحدٍ لا بعينه، والفرقُ بينهما أن المطلَق الفردية والوحدة الشخصية ليست مأخوذةً في حقيقته الذهنية.
وأما النكرة لا، فالفردُ والوحدة الشخصية الغير مُعيَّنة في الخارج مأخوذةٌ في حقيقته وماهيته، إذن: النكرة من حيث المعنى نقول: مَوضوعٌ للماهية، يعني: حقيقة الشيء من حيث هي، ثم يستوي النكرةُ والمطلَق في هذا المعنى، ولا بدّ من وجودِ هذه الحقيقة في ماذا؟ في فردٍ في الخارج، لأنه لا يوجَد ذكورة لا في رجل، رجل نقول: هذا موضوع لماذا؟ رجل إنسانٌ بالِغٌ من بني آدم، هل عندنا إنسان بالِغ من بني آدم ليس بزيد ولا خالد ولا محمد؟ تقول: هذا إنسان بالغ، ليس عندنا هكذا.
إذن: هذه الحقيقة في الذهن، وجودها في الخارج لا بدَّ من فردٍ تحلُّ فيه، أليس كذلك، طيب! يستوي المطلقُ والنكرة في اتفاقهما أنه لا بدّ من فردٍ تُوجَد فيه تلك الحقيقة، لكن هذا الفرد قد يكونُ مأخوذًا في الحقيقة، وقد لا يكونُ مأخوذًا في الحقيقة، فالفرقُ بينهما في الخارج: أن دلالةَ المطلق على الفردِ دلالة استلزامية، ودلالةُ النكرة على الفرد الخارج وضعية.