إذن: الفردُ في النكرة .. الفرد الغير مُعين هذا مُرادٌ في الوضع، أما الفردُ في المطلق فهو غيرُ مُراد، إذا قالَ القائل: جاءني رجل، وهو نكرة، فحينئذٍ نقولُ: نفهمُ ماذا من رجل .. واحد أو اثنان أو عشرة؟ واحد، بدلالة ماذا .. بدلالة اللفظ أم بأمرٍ خارجٍ عنه؟ بدلالة اللفظ؛ لأنه نكرة، والنكرة موضوعة للمعنى الذهني مع قَيد الفرد الخارجي غير المعين، فحينئذٍ نقول: جاءني رجل يعني: واحد.
لو قالَ: أراد به اثنين أو ثلاثة أو خمسة، نقول: كذَبَ هذا، لماذا؟ لأنه عَبَّرَ بما مدلوله الوحدة، حينئذٍ يكون قوله: جاءني رجلٌ في قوّة قوله: جاءني رجلٌ واحدٌ، (( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ) ) [يس:20] يعني: رجل واحد.
إذن: وَنَكَّروا إِفرادًا، أي: نَكَّروا لقصد الدلالة على الفرد الواحد، كقوله تعالى: (( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ) ) [يس:20] أي: رجلٌ واحدٌ، واحدٌ هذا قد يُصرَّح به من باب التأكيد كما سيأتي.
وَنَكَّروا إِفرادًا اوْ تَكْثيرا: قد يكونُ التنكير لإفادة التكثير، يعني: تكثير أفراد المسند إليه، لكثرتِهِ يعني: كثرة أفراد المسند إليه لا يحتاجُ إلى تعريف، إن له لإبلًا، لكن هذا قالوا: لا بدّ من قرينة، إن له لإبلًا: هذا لا يدلُّ على التكثير وضعًا، تقول: زيد له مال .. ما شاء الله عنده أموال كثير، تقول: إن له لإبلًا، إذن: هذا مُرادٌ به التكثير، قالوا: لا بد أن يكون في سياق قرينة تدل، أمّا اللفظ هكذا: إن له لإبلًا، وإن له لغنمًا، وإن له لدِيارًا ونحو ذلك، هذه لا تُفيدُ لوحدها، بل لا بدّ من قرينة، هذه القرينة أن يكون في سياق أو في جواب سؤال.
تقول: لزيد مالٌ كثير، تقول: إن له لإبلًا، تُبيّنُ له أنه له إبلًا كثيرة، فحينئذٍ أفادَ التنكير هنا التكثير، تكثير أفراد المسند إليه.
وَنَكَّروا إِفرادًا اوْ تَكْثيرا، يعني: لكثرته لا يحتاجُ إلى تعريف.
تَنْويعًا: نوعية، قد يكونُ التنكير لإرادة أن النكرة هنا قد دلَّت على نوعٍ انفردت به عن سائر المعاني، التنويع بأن يُراد بالمسند إليه نوعٌ مخالِفٌ للأنواع المعهودة، خرَجَ عن سائر الأنواع المعهودة، (( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) ) [البقرة:7] قالُوا: هذه الغشاوة مخالفة لسائر الغشاوات؛ لأنها غشاوة مُنفردِة غير معهودة عند الناس، وإنما هي غشاوة مختصَّة بفردٍ أو أفراد مُعيّنين من أفراد المسند إليه، وهو التعامي عن الحقّ مع ظهور الآيات البينات.
(( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) ) [البقرة:7] ، أي: نوعٌ غريبٌ من الغشاوة، وهو ما يتعامى به عن الحقّ، ليست كلُّ غشاوة، وإنما المراد بها غِشاوةٌ معينة خرجَت عن المعهود، لأنه إذا بُيِّنت الآيات والبراهين على صدق الحق، الأصل في الناس أنهم يؤمنون ويقبلون، إذا خرج طائفةٌ منهم لم يقبلوا، نقول: (( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) ) [البقرة:7] هذه الغشاوة التعامي عن الحقّ ليست معهودةً عند سائر أفراد المسند إليه.