فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 828

وكذلك ليس كالثاني بأن يكون الأول نكرة، والثاني معرفة، فالثاني هو عين الأول، إنما هنا نقول: الثاني غير الأول؛ لأنه أُعيدَ نكرة: جاء قاضٍ وأكرمتُ قاضيًا، فالثاني غير الأول.

ماذا بقي؟ أن يُذكَرَ أولًا معرفةً، ثم يُعادُ نكرةً: هذا فيه قولان .. فيه خلافٌ بينَ البيانيين، قيل: بأنه عينُ الأول، وقيل بأنه غيره.

ثم من القواعد المشتهرَة إذا أتت نكرةٌ مكرَّرة

تغايرا وإن يُعرَّف ثاني ... توافقا كذا المعرفان

شاهدها الذي رَوينا مُسندًا لن يغلبَ اليسرين عسرٌ أبدا

(( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ) [الشرح: 5 - 6] كم عُسر، وكم يُسر؟ العُسر كُرِّرَ معرفة مرتين، فهو عينُ الأول، فالعسرُ واحد، واليسر يسران، لذا قال:

شاهِدُها الذي رَوينا مُسندًا لن يغلِبَ اليسرينِ عسرٌ أبدا

عسرٌ واحد، (( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ) [الشرح: 5 - 6] إذن: كُرِّرَ اليسر يسرًا يسرًا، في مقام واحد، والثاني نكرة والأول نكرة، فهو غيرُه وليس عينه، وكُرِّرَ العسر مرتين وهو معرِفةٌ في الموضعين، فنقول: الثاني هو عين الأول، هذا هو المشهور عندَ البيانيين، وهي قاعدة أغلبية ليست مطّردة في كل مثال، لا بد أنها تستوفى، كما هو الشأن في سائر القواعد.

ولذلك قال السيوطي رحمه الله:

ونقضَ السبكيُّ ذي بأمثلةْ وقال ذي قاعدةٌ مُستشكَلةْ

يعني قال: هذه قاعدة مستشكلة لماذا؟ لأنه ورَدَ في القرآن ما ينقض هذه القاعدة: (( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ ) ) [الرحمن:60] الأصل أن نقول: الإحسان الثاني هو عين الأول، لكن المراد بالأول: (( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ ) ) [الرحمن:60] العمل، والثاني الثواب، إذن: اختلفا وكيف نقولُ: هو عين الأول؟!

(( صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) ) [النساء:128] أُعيدت النكرة معرفة، فحينئذٍ نقولُ: هو عينُ الأول أم غيره؟ الأصلُ أن نقول: هو عينه، لكن في الآية يقول: لا، هكذا قالَ ابن السبكي بهاء الدين، قال: الثاني غير الأول، فكيفَ نقول: هو عينه؟!

هذه الطامّة هنا! (( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ) ) [الزخرف:84] أُعيدَ النكرة مرتين، مثل: جاء قاضٍ وأكرمت قاضيًا، قلنا: الثاني غير الأول، الآية: (( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ) ) [الزخرف:84] كُرِّرَ إله مرتين، وهو نكرةٌ في سياق واحد، يَقتضي ماذا على القاعدة؟ أن الثاني غير الأول، وهذا عينُ الشرك:

ونقضَ السبكيُّ ذي بأمثلة وقال ذي قاعدةٌ مستَشكلَة

الجواب عن هذا، أن نقول: أن القاعدة أغلبية، فخروجُ بعض الأمثلة عنها لا يخرِم القاعدة، كما هو الشأن في القواعد الفقهية وغيرها.

وأجابَ البيانيون السيوطي وغيره عن أمثلة ابن السبكي رحمه الله بما يُدخِلها في القاعدة، موجودٌ في شرحِ عقود الجمان ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت