وَوَصْفُهُ، أي: المعنى المصدري، وهو ذِكرُ النعت، وهو المناسِب هنا، لأن الذي يُعلَّل هو الأحداث لا الألفاظ.
وَوَصْفِهِ، أي: وصف المسند إليه، سواء كان المسند إليه نكرة أو معرفة؛ لأن المقام هنا ليسَ مختصًَّا بالنكرات ولا بالمعارف مطلقًا، البحث في التعريف انتهى، والبحث في التنكير انتهى، الآن البحث في إتباعِهِ .. إتباعِ المسند إليه، وقد يكون مَعرفةً: جاء زيدٌ العَالِم، زيدٌ: هذا مسند إليه، وهو معرفة.
جاء رجلٌ عَالمٌ، رجل: هذا مسند إليه وهو نكرة، إذن: لا يختصُّ وصف المسند إليه بكون المسند إليه معرفة أو نكرة، بل يشملُ النوعين:
ورجل من الكرام عندنا .. هذا مُبتدأ ونُعِتَ بـ (من الكرام) ، وَوَصْفِهِ له مُرجِّحات منها: لِكَشْفٍ اوْ تَخْصِيصِ ذَمٍ ثَنا تَوكيدٍ اوْ تَنْصيصِ، لواحد من هذه العلل يُؤتى بالنعت الخاص.
لِكَشْفٍ، يعني: لكشفِ معناه .. لكشفِ معنى المسند إليه، بأن يحتاجَ المسند إليه لإيضاح المعنى، وهو ما يُسمى عندَهم بالصفة الكاشفة، وهي التي يُؤتى بها لكشف معنى الموصوف، وهي عامّة لا تختصُّ بالمسند إليه، وإنما تأتي من كل ما صحَّ أن يُوصفَ بهذه الصفة لكشف معناها، لا للاحتراز، وإنما لبيانِ صفةٍ في الموصوف.
(( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ) [البقرة: 2 - 3] الذين: صفة للمُتقين، هل يُوجد متقي لا يؤمنُ بالغيب؟ لا، إذن: ما الفائدة (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ) [البقرة:3] هل هو للاحتراز، ثَم مُتَّقون لا يؤمنون بالغيب، يُوجَد؟ لا يُوجَد، إذن: ليست للاحتراز، وإنما هي لكشف معنى في الموصوف، لأن الذي يَسمَعُ: (( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة:2] قد لا يعرِف أن من صفات المتقين أنهم يُؤمنون بالغيب، فإذا قيل: (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ) [البقرة:3] حينئذٍ زادَ الموصوف معنى، بكونهم موصوفين بهذه الصفة التي نُعِتوا بها في الكتاب: (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ) [البقرة:3] .
فنقول: (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ) [البقرة:3] جِيء بالوصف هنا لكشف معنى الموصوف، لا للاحتراز عن غيرِهِ؛ لأنه لا يُوجَد متّقٍ لا يؤمن بالغيب، وإنما كل مُتّقٍ فهو مؤمن بالغيب، فالوصف هنا ليس للاحتراز وإنما هو كاشفٌ لمعنى الموصوف.
وَوَصْفِهِ لِكَشْفٍ: بأن يَحتاج لكشف معناه، أو يُحتاج لكشفِ معناه، وكانت الصفةُ صالحةً لكونها خاصّةً بنية الاستلزام، كالآية التي ذكرناها.