فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 828

اوْ تَخْصِيصِ: هذا النوع الثاني المشهور عندَ البيانيين وغيرهم، وهذه تُستعمَلُ في الحدود: أن يُؤتى بالصفة، إما للتخصيص أو الاحتراز كما سيأتي، وإما للكشف، وهذا يُذكَرُ دائمًا معنا في الحدود وفي الضوابط والأبواب ونحو ذلك، فهو مشهور عندَ أهل العلم، وليس بالتكلُّف كما قد يظنّهُ البعض: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) ) [البقرة:21] ربكم: هذا مفعول به، الذي خلَقَكم: صفة، للكشف أو للاحتراز؟ إن قلتَ: للاحتراز انظر المعنى كيف يكون: اتقوا ربكم الذي خلَقَكم، ففيه إثباتٌ لربٍ لم يخلقنا، لكن لو قلت: كاشِفة حينئذٍ من صفاتِ هذا الربّ أنه خالقُنا، كما قلنا من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب.

(( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ) ) [المؤمنون:117] لا برهانَ: هذه الجملة صفة، إذن: لو أُثبِتَ برهان لإله صحت عبادته! صحيح؟! إذا جعلناها للتخصيص للاحتراز نقول: هذا فيه إثبات صحة العباد، وتأليهِ إله إذا أُثبِتَ بالبرهان، لكن هيهات!

حينئذٍ نقول: الصفة قد تكون كاشفة، وقد تكون للاحتراز.

هنا قال: اوْ تَخْصِيصِ: التخصيصُ عندَ البيانيين يختلف عن التخصيص عند النحاة، عند النحاة: عندَهم ما يُسمّى بالتوضيح، وما يُسمى بالتخصيص، التوضيح: هو رَفعُ الاحتمال، أو رَفعُ الاشتراك الحاصل بعد المعارف، هذا التوضيح، ولذلك يَذكرون أن النعت يكونُ للتوضيح والتخصيص، التوضيحُ بعد المعارف وهو رَفعٌ للاحتمال أو الاشتراك، والتخصيص: تَقليلٌ للاشتراك وهو حاصِلٌ في النكرات.

فيقولون: النعتُ إذا وَقَع بعد المعرفة فهو للتوضيح: زيدٌ العَالِم عندنا، زيدٌ: هذا مُبتدأ مسند إليه، العَالِم: هذا نعتُهُ، وقعَ بعد معرفةٍ، حينئذٍ أفادَ ماذا؟ أفاد التوضيح، لأنه قد يكون عندنا زيد عالم، وقد يكون عندنا زيد وليس بعالم، فإذا قلت: زيدٌ العالم، رَفعتَ الاحتمال عن زيد أن يشتركَ معه أحدٌ غيره.

وبعد النكراتِ يُسمّونه تخصيصًا: رجلٌ تاجرٌ عندنا، رجلٌ: مبتدأ، وتاجرٌ: صفتُهُ، إذن: نعتٌ وقعَ بعد النكرة، يُسمى عند النحاة تخصيصًا؛ لأنه تقليلٌ للاشتراك، ليسَ رفعًا للاحتمال؛ لأن"رجل"هذا قد يكون تاجرًا .. قد يكون عالمًا .. قد يكون نجّارًا .. قد يكون صاحب صنعة، فإذا قلت: رجلٌ تاجرٌ، أخرجتَ كلَّ رجل متّصف بغير وصفِ التجارة، لكن بقيَ احتمال من هو هذا الرجل التاجر؟ يصدُقُ على زيد، ويصدُقُ على خالد، ويصدُقُ على محمد، إلى آخره.

هل رُفِعَ الاشتراك بالكلية؟ الجواب: لا، وإنما قلَّلَ فيه الاشتراك، فقيل: رجلٌ تاجرٌ، فحينئذٍ نقول: الوصف هنا قلّلَ الاشتراك، يُسمى عند النحاة ماذا؟ تخصيصًا؛ لأنه وقعَ بعد النكرات.

عند البيانيين النوعان يُسمَّيان تخصيصًا .. النوعان: التوضيح والتخصيص الخاص عند النحاة يُطلَق عليه عند البيانيين: تخصيص، فقوله: اوْ تَخْصِيصِ، يعني: تخصيصٌ للمسند إليه، بتقليل الاشتراك أو برفعِ الاحتمال، إذن: شمِلَ ماذا؟ شملَ التوضيحَ عند النحاة، فليس خاصًّا بالتخصيص الذي هو رفع تقليل الاشتراك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت