ثَنا، يعني: وثناء، المراد به المدح، وشرطُهُ كشرطِ سابقه: أن يكونَ الموصوف مُعيّنًا عند المخاطب، إما بكون اسمه لا يشترك معه أحد، وإما لكونه معهودًا عند المخاطب، فإن لم يكن كذلك، فحينئذٍ يكونُ الوصف إمّا كاشفًا وإما مخصّصًا.
زيدٌ العابد في المسجد، العابد: هذا وصف .. ثناء .. مدح، إذا كان على علم، زيدٌ العابد في المسجد، نقول: هذا فيه ثناء وفيه مدح، (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [الفاتحة: 2 - 4] أوصاف، أليس كذلك؟ رَبِّ: نعت للفظ الجلالة، هذا في غير المسند إليه، لكن يكون عامًّا، رب العالمين: هذا نعتٌ أول، الرحمن: نعتٌ ثاني، الرحيم: نعتٌ ثالث، (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [الفاتحة:4] هذا نعتٌ رابع، هذه كلها المراد بها المدح والثناء، لأن"الحمد لله"معلوم عند المخاطب، رب العالمين: ليسَ فيه شراكة حتى نحتاج إلى التمييز والكشف.
فنقول: لله .. (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [الفاتحة:2] وقعَ الوصف هنا لإفادة الثناء.
ذَمٍّ ثَنا تَوكيدٍ: على حذفِ حرفِ العطف، يعني: وتوكيدٍ، يعني: يُؤتى بالنعت مؤكِّدًا للمنعوت، متى؟ إذا كان الموصوف معلومًا دون التوكيد، (( لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ ) ) [النحل:51] إلهين: أفادَ أنهما اثنان، قوله: (( اثْنَيْنِ ) ) [النحل:51] هذا توكيد، نعت أفاد التوكيد: (( لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ) ) [النحل:51] نقول: اثنين ما إعرابه هذا؟ صفة نعت، ماذا أفاد؟ التوكيد لماذا؟ لأن مدلولَه وهو الاثنان مفهومٌ من الموصوف، لأن إلهين هذا دَلَّ على وصف وهو الجنسية، ودَلَّ على عددٍ مخصوص.
ويجوزُ أن يؤكَّد الجنسية دون العدد المخصوص، ويجوزُ أن يؤكَّد العدد المخصوص دون الجنسية، هنا لُوحِظ اثنين العدد فقط، ولم يُنْظَر إلى الوصف وهو الإلهية، فقال: (( لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ) ) [النحل:51] فاثنين هنا مؤكِّد للعدد، لأن ما دلّ على الاثنين أو على الجمع بلفظه، نقول: أفادَ فائدتين: الجنسية وهو ما اشتُقَّ منه وهو الألوهية مثلًا في المثال، والعدد المخصوص.
فإذا قيل: (( لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ ) ) [النحل:51] وصفٌ مُتصفٌ بالألوهية وهو كونُهُ معبودًا، وكونه ذا عددٍ مخصوص، فهنا أُكِّد العدد المخصوص دون الجنسية، وقد يُؤكَّد الجنسية دون العدد المخصوص كما في قوله تعالى: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ) ) [الأنعام:38] طائر: معلوم أن الطائر يطير بجناحيه .. يطير بجناحيه ماذا أفادَ؟ أفادَ تأكيد الجنسية الذي دلَّ عليه طائر؛ لأن طائر معلوم أنه مأخوذٌ من الطيران.
حينئذٍ نقول: الجنسية التي دَلَّ عليها هذا اللفظ أُكِّدت بقوله: (( يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ) ) [الأنعام:38] هذا تأكيد، يعني: ما من طائرٍ يقلب جناحيه في السماء: يعم كل طائر، (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ) ) [الأنعام:38] ومعلومٌ أن الدابّة تكون في الأرض، هذا فيه تعميم لما دَلَّ عليه اللفظ من الجنسية.