فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 828

نعم .. ابتداءً أول ما تكلَّم، نعم طالبًا، من هو؟ إذا وقف هنا، نقول: لا بد من مفسِّرٍ، فلما جِيءَ بالنكرة نقول: الضمير عاد أولًا إلى شيءٍ متعقَّل في الذهن لا وجودَ له في اللفظ، وليس عندنا قرينة حال تدلُّ عليه، هذا وُضِع فيه الضمير مَوضع الاسم المظهر، لأن في الأصل أن يقول: نِعمَ الطالبُ زيدٌ، هذا الأصل، أو نِعَم الرجل رجلًا إن جاز الجمع بينهما.

فحينئذٍ لما عدَلَ عن الاسم الظاهر إلى الضمير، نقول: هذا خروجٌ عن مُقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال، وهذا على قولِ مَن يجعل المخصوصُ خبر مبتدأ محذوف، كلُّ ضميرٍ .. في هذا الموضع يدخلُ كلُّ ضميرٍ يعودُ على متأخِّرٍ في اللفظ والرتبة فهو كذلك داخلٌ، أو يصلح أن يكون مثالًا لهذه القاعدة، مَوضعُ الضمير موضع الاسم الظاهر، كل ضميرٍ يعودُ على متأخِّرٍ في اللفظ والرتبة فهو كذلك، نحو ضربَ غلامه زيدًا.

وهذا وإن لم يكن فصيحًا هو شاذ، ضربَ غلامُهُ زيدًا، غلامُهُ: هذا فاعل اتصلَ به ضمير يعود على المفعول، وهو متأخِّرٌ في اللفظ والرتبة، هذا قياسي أم شاذ؟ نقول: هذا شاذّ يُحفَظ ولا يُقاس عليه، هو داخلٌ في هذه القاعدة، لكنها لا توافِق من جهة قواعد البيان، يعني: ليست ببليغة، وإن كانت داخلة تحتها.

ومنه ضميرُ الشأن والقصة: (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ) [الإخلاص:1] هو الله، هو أينَ مَرجع؟ ليس فيه مرجع، ابتداء الصورة: (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ) [الإخلاص:1] نقول: هنا الضميرُ لم يتقدَّم عليه مَرجع في الذكر .. لم يتقدَّم عليه ما يعودُ عليه في الذكر، فنقول: هنا أُوقِعَ الضمير موقع الاسم الظاهر.

والفائدةُ مِن هذه القاعدة: كَوَضْعِ مُضْمَرٍ مَكانَ الظاهِرِ أشار إليها كَبَعْثٍ، في بعضِ النسخ: لِبَعثٍ، وهي ليتمكَّن ما يعقبُه من الكلام في الأذهان للسامعين، لأن السامع إذا لم يفهم من الضمير معنى، هو قَطعًا لن يفهم .. إذا لم يَفهم من الضمير معنى انتظرَ ما يعقبُهُ ليفهمَ منه معنىً، فحينئذٍ تتهيّأ النفسُ وتنشطُ ويُصغي بسمعه وتتشوَّف إليه النفس فيتمكَّن بعد ورودِهِ إليه.

هذا المراد بقوله: كَبَعْثٍ، يعني: لماذا وُضِعَ الضمير مَوضع الاسم الظاهر؟ لِبَعثٍ .. كَبَعْثٍ: ليكونَ الإضمار باعِثًا، أي: حامِلًا، للسامِع على توجُّه نفسِه إلى الخبر فيتمكّنُ منه:

صادف قلبًا خاليًا فتمكنا

مثله، إذن: كَبَعْثٍ: هذا مصدر حذف فاعله، ليكونَ الإضمار باعثًا، أي: حامِلًا للسامع على توجّه نفسه إلى الخبر فيتمكّن منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت