والمجد والفرصةِ: قال مِن قولهم: فَرَصتُ الرجل، وأَفرصتُهُ إذا أعطيته فهو بمعنى العطية، والبراعة: من بَرُع، برَعَ الرجل إذا فاق أصحابه في العلم وغيره.
والحزم: هذا وَصفٌ أيضًا للصحابة رضي الله تعالى عنهم. والحزم، أي: ضبطُ الأمر بالإتقان وحسن التدبير، والنجدة والشجاعة: النجدة قيل هي الشجاعة، وحينئذٍ عطف الشجاعة عليها من عطفِ المرادف، وقيل: النجدة الإعانة بسرعة، هذا مثل ما يقال الآن النجدة، يأتون مباشرة.
ما عكفَ القلبُ على القران: بتسهيل الهمزة للوزن.
ما عكَفَ القلبُ على القرانِ ... مُرتَقِيًا لحضرةِ العِرفانِ
ما: هذه مصدرية ظرفية، عكفَ: بمعنى أقام، القلب على القرآن، أي: على معاني القرآن، هذا ليس فيه تقييد للصلاة، وإنما مرادُه التأبيد، كما قيل هنا:
ثم صلاةُ اللهِ ما تَرنَّما ... حادٍ يسُوقُ العِيسَ في أرض الحمى
ليسَ المراد تقييدَ الصلاة لمدّة ترنّم الحادي وإنما التأبيد، وذكرنا هناك أن العيس التي هي أرض الحمى المراد بها الحجاز، يعني: مدّة قدوم الحجيج والحادي يسوقُ العيس مدّةَ قدومِ الحجيج الصلاةُ تكون مؤبدة، لماذا؟ لأن الحج باقٍ، قال هنا كذلك: مدّةَ عكوفِ القلب على معاني القرآن، والقرآن باقٍ، وكذلك التأمل والوقوف على معاني القرآن باقٍ أيضًا.
ما عكفَ القلب على القران، قال: ومعنى الإقامة على القرآن الإقامة على التأمّل فيها، يعني: في هذه المعاني؛ لأن كل تالٍ لا بد وأن يتلوَ على الأصل، أن يتلو مُتدبرًا للقرآن، فحينئذٍ قد عكفَ القلبُ وأقام على هذه المعاني؛ معاني القرآن، مُرتقيًا: هذا حالٌ من القلب، عكفَ القلب، هذا سيأتينا أنه إسناد مجازي عقلي، ما عكف القلب على القرآن حالةَ كون القلب مرتقيًا.
لحضرة العرفان: هذا جَرى على طريقة الصوفية تأتي بعض العبارات على النمطِ نفسه، لحضرة العرفان، أي: لحضرة معرفةِ الله على ما ينبغي، ولذلك يُعبَّر عنه بالعارف، حضرة العرفان، أي: حضرة الله عز وجل؛ هكذا يريدون.
ما عكفَ القلبُ على القرآن مرتقيًا، قلنا: هذا حال؛ قيدٌ لكعفَ، ولكن الحال قد تكون لبيان الواقع، وقد تكون للاحتراز، وهنا ليست للاحتراز، لماذا؟ لأنه ليس عندنا عكوف للقلب على معاني القرآن ولا يرتقي، أليسَ كذلك؟ هل يعكفُ القلبُ على معاني القرآن ولا يرتقي؟! الجواب: لا، إذن:"مرتقيًا"هذه حالٌ لبيان الواقع لأن الحال صفة في المعنى، كل حال وصف.
إذن: بعدَ أن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم انتهت المقدمةُ عنده هنا، التي هي البسملة والحمدلة إلى آخره، ثم انتقل إلى الشروع في المقصود، ماذا يريد من هذا الكتاب، قال:
هذا:"هاء"حرفُ تنبيه، و"ذا": اسم إشارة. اللفظ هذا يُستعملُ في مقام:"أما بعد". يعني: يُؤتى به للانتقال من كلام إلى آخر: (( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) ) [ص:55] (هذا) ، لذلك نقول: هو خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ الأمر هذا، أو مبتدأٌ خبره محذوف، هذا مما ذكر"وإن درر". إما أن يكون مبتدأ لخبرٍ محذوف،"هذا"المبتدأ؛ أين خبره؟ محذوف مما ذكر جار ومجرور، هذا مما ذكر،"هذا"خبر لمبتدأ محذوف، الأمر هذا.
وجوّز الشيخ الأمين أن يكون مفعولًا به، لكن ليس في هذا الموضع.