الأصل يقول: هو الذي، هو يأتي بالضمير، لكن عدَلَ عن الضمير وجاء باسم الإشارة وهو اسم ظاهر، لدلالة على أنّ هذا الحكم البديع، وهو تركُ الأوهامِ حائرةً قد صارَ كالمحسوس الذي ينبغي أن يتميَّزَ عن غيره ولا يلتبس به شيءٌ آخر، قال بعضهم: فقولُهُ هذا إشارةٌ إلى حُكمٍ سابقٍ غير محسوس في الأصل، وهو كونُ العاقل محرومًا، والجاهل مرزوقًا، وكان القياس فيه الإضمار.
هو الذي ترك الأوهام حائرةً ..
فعدَلَ عنه إلى اسم الإشارة لكمال العناية بتمييزه، ليُعلِمَ السامعين أنّ هذا الشيء المتميّز المتعيّن له الحكم العجيب والشأن الغريب، وهو جعلُ الأوهام حائرةً، والعالم النحرير زنديقًا، فالحكمُ البديع ما هو؟ هو الذي أُثبِتَ للمسند إليه، وعبر عنه باسم الإشارة، هو أي: الحكم البديع، من تركِ الأوهام حائرةً، عبر عن هذا المسند إليه الذي هو الضمير بـ (هذا) ليدلَّ على أن هذا الحكم البديع قد تميز وصارَ كالمحسوس، وهذا ما أراده بقوله: اوْ كَمالِ تَمْييزٍ.
لِنُكْتَةٍ كَبَعْثٍ اوْ كَمالِ تَمْييزٍ، إذن: وَضعُ المظهرِ موضع المضمَر إن كان اسم إشارة، فحينئذٍ يكونُ لنكتٍ منها كمالُ التمييز وذكرنا مثاله.
اوْ سُخْرِيَةٍ، يعني: يأتي باسم الإشارة سُخرية وتهكّم، مثَّلوا له لو قال أعمى ودخلَ رجل: مَن جاء، يقول: هذا، هو أعمى! فيقولُ: مَن الداخل؟ هذا، هذا سخرية، لأن الأصل أن يقول له: زيد، هو ما يرى .. ما يُبصِر، فيسخر به ويتهكم يقول: هذا .. هذا الذي جاء، ما حصَلَ الجواب، إذن: جِيءَ باسم الإشارة هنا سُخريةً وتهكُّمًا.
أو سخريةً وتهكّمٍ كأعمى سأَلَ: مَن قام؟ فقلتَ: هذا، نقول: هذا تهكم وسخرية؛ لأن السائل كفيف أعمى ما يرى، فإذا أشرتَ باسم إشارة والأصل فيه أن يكون لمحسوس فقد سَخرت به.
إِجْهالِ: على حذف حرف العطف، إجهالِ، يعني: إجهالِ السامع، يعني: نسبته إلى الجهل والبلادة حتى أنه لا يدرِكُ إلا المحسوس، لأن الأصلَ باسم الإشارة أن يُؤتى به للمحسوس، والناسُ يتفاوتون بعضهم قد يدرِك المعقولات فضلًا عن المحسوسات، وبعضهم عنده قصور لا يتعدّى المحسوسات، فحينئذٍ إذا أردتَ أن الشيء معقول، ولا يمكن أن يدرِكه المخاطب، تأتي باسم الإشارة إشارة إلى أن هذا أمر أكبر منك، ونحن نأتي باسم الإشارة في الأشياء المحسوسة.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
هم آبائي هذا الأصل، لكن أراد أن ينسِبَ جرير إلى الجهل والبلادة.
إذن: إِجْهالِ أن يُؤتى باسم الإشارة مقامَ الضمير لنسبةِ المخاطَب إلى الجهل، إلى أنه بليد ما يفهمُ المعقولات، وإنما نأتي باسم الإشارة؛ لأنه مختصٌّ بالمحسوسات، كأنه يقولُ: مكانك قِف، لا تتجاوز قدرَك.
أَوْ عَكْسٍ: عكس الإجهال، أن يُؤتى باسم الإشارة للدلالة على أن المعقول قد صارَ كالمحسوس عند المخاطب، هذا مُرادي يتكلَّم ثم يقول: هذا ما أريد .. هذا مُرادي .. هذا ظني .. هذا فهمي، فنقولُ: هنا الفهم والظن والمراد هذه أمور معقولة أو محسوسة؟ معقولة، فالأصل في اسم الإشارة أن يُؤتى به لاسم محسوس .. لشيء محسوس.