أشارَ للمعقول بما يدلُّ على المحسوس، لماذا؟ لإشارة أن المخاطَب قد بلَغَ من الفهم أن جَعَلَ المعقول كالمحسوس، فيدلُّ على كمال الفطنة والذكاء، هذا الذي يُؤوَّل به دائمًا في أوائل الكتب: أما بعد: فهذا مختصَرٌ، نقول: نَزَّل المعقول مُنَزَلة المحسوس، فصارَ كأنه يُشار إليه بما وُضِعَ للمحسوسات، لأن المخاطب قد بلَغَ من الفطنة والذكاء ما يفهمُ المعقولات، بحيث إنها تصيرُ كالمحسوسات عنده فيُشارُ إليها بما يُشارُ للمحسوسات، واضح هذا؟
أَوْ عَكْسٍ: وهو التعريضُ بذكاءِ السامع، حتى إن غيرَ المحسوس عنده بمنزلة المحسوس فيُشارُ إليه بما يُشارُ للمحسوس هذا مراده.
أَوْ عَكْسٍ اوْ دَعوى الظّهورِ، دعوى الظهور، يعني: ادعاء كمالِ ظهورِ المسند إليه، حتى كأنه محسوس، وهذا أيضًا قد يُمثَّلُ له بالمثال السابق، هذا مُرادي، قد تتّحِدُ الأمثلة تشترِك، أما بعد: فهذا مختصَرٌ، نقول: هذا كذلك، أنه قد بَلَغَ من الوضوح والظهور إلى أنه صارَ كامِلًا بحيث يشار إليه، كأنه محسوس.
أَوْ عَكْسٍ اوْ دَعوى الظّهورِ، يعني: ادعاء كمالِ ظهور المسند إليه حتى كأنه محسوس، والمثال السابق صالحٌ له، دَعوى الظّهورِ، يعني: بحيث لا يخفى من الظهور والشهرة.
وَالمَدَدْ لِنُكْتَةِ: هذا إن كان الاسمُ الظاهر غيرَ اسم الإشارة، كلُّ ما يتعلق السابق من النكات فيما إذا وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير، وكان ذلك الاسمُ الظاهر اسمَ إشارة، فيُؤتى به لنكتٍ، كَمالِ تَمْييزٍ اوْ سُخْرِيَةٍ إِجْهالِ أَوْ عَكْسٍ اوْ دَعوى الظّهورِ، هذه خمسُ نكات كلّها متعلِّقة باسم الإشارة، غير الإشارة قد يؤتى به للمَدد، يعني: الزيادة، وَالمَدَدْ لِنُكْتَةِ التّمكينِ للزيادة، أي: الزيادة بنكتةٍ هي التمكُّن، التمكين مراده التمكُّن، التمكين هذا مصدر، والمراد به أثره وهو التمكُّن، والمراد به من جهة المعنى التقرير والتثبيت، بمعنى: جَعْلِ المسند إليه متمكنًا عند السامع حتى يكون مُستحضَرًا لا يزولُ عن البال.
يعني: قد يأتي في موضعٍ الأصل فيه أن يأتي بالضمير، ولكنه جاء بالعلم، كما مثَّلنا: جاء زيدٌ وزيدٌ فاضلٌ، نقول: لمَ عَدَلَ عن: وهو فاضلٌ، إلى قوله: زيدٌ فاضلٌ؟ لنُكتةٍ وهي زيادة التمكين، يعني: تقرير وتثبيت المسندِ إليه عندَ السامع، بحيث يكون مُستحضَرًا، لأن العَلَم خاص، لا يحتمِلُ غيره، فإذا جاء بالعَلَم فحينئذٍ تعيَّن أتمَّ تعيين.
وَالمَدَدْ، أي: الزيادة، بنكتةٍ هي التمكُّن، لِنُكْتَةِ: اللام هنا للتعدية ليست للعلة، مثل: (( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) ) [هود:107] هنا تعدّى باللام، لِنُكْتَةٍ: هذا جارّ ومجرور مُتعلِّق بقوله: المَدَدْ لأنه مَصدر، متعلقٌ به، ومعناها التعدية لا العليّة.