فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 828

قَمِنْ، يعني: حقيقة وجدير بأن يُسمّى التفاتًا .. وذلك الانتقال حَقِيقٌ بأن يُسمّى بالالتفات، أخذًا من التفات الإنسان، وهو توجيهُ الإنسان بوجههِ إلى غير مواجهته، يعني: يلتفِتُ إلى غير جهته، يُسمّى التفاتًا هذا.

وَهْوَ الانْتِقالُ مِنْ بَعْضِ الأساليبِ: المراد بالأساليب هنا نقول: مُعيّنة، وهي التكلم والخطاب والغيبة، وعليه نقول: إذا كانت ثلاثة فالانتقال يكون من حاصلِ اثنين .. ضرب اثنين في ثلاثة، لأنه ينتقلُ من تكلُّم إلى غيبة أو خطاب، أو عكس، ولا يمكن أن نقول: بأنه التفتَ من التكلُّم إلى التكلُّم؛ لأنه جاءَ على الأصل، فسقطت واحدة، صار ثلاثة في اثنين بستة، فأقسامه ستة:

الأول: من التكلُّم إلى الخطاب، يعني: الالتفات من التكلُّم إلى الخطاب، الأصلُ من التكلُّم إلى التكلُّم، ولذلك نقول: لو جاءَ من التكلُّم إلى التكلُّم حينئذٍ نقول: هذا على مقتضى ظاهر الحال، فلما عَدَلَ من التكلُّم إلى غيره، حينئذٍ نقول: هذا خُروجٌ عن الظواهر إلى مقتضى الحال.

مثاله الالتفات من التكلم إلى الخطاب: (( وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [يس:22] وما لي لا أعبدُ: هذا التكلُّم، (( الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [يس:22] هذا خِطاب، والأصل: وإليه أُرجَع هذا الأصل، وما لي: هذه ياء المتكلم، لا أعبد: أنا المتكلم، الذي فطرني: ياء المتكلم، وإليه أُرجَعُ هذا الأصل، لكنه عَدَلَ .. التفتَ من التكلُّم إلى الخطاب.

من التكلُّم إلى الغيبة: (( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) ) [الكوثر: 1 - 2] هذا أصلها: إننا، متكلِّم أو لا؟ متكلِّم، (( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) ) [الكوثر:2] والأصل: فصلي لي؛ لأن الاسم الظاهر هذا يُعتبر من الغيبة عند النحاة وغيرهم، الاسم الظاهر يعتبر من الغيبة، فحينئذٍ فصلي لي، هذا الأصل، قال: (( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) ) [الكوثر:2] حصل التفات.

هذا من التكلُّم إلى الخطاب ومن التكلُّم إلى الغيبة، سقط من التكلُّم إلى التكلُّم؛ لأنه الأصل، وهو مُطابقٌ لمقتضى ظاهر الحال.

من الخطاب إلى التكلُّم، استدلوا بقول القائل:

طحا بكَ قلبٌ في الحسنات طروب ..

إلى أن قال: تُكلِّفني ليلى .. طحا بك، بك: خطاب، ثم قال: تكلفني ليلى وقد شطَّ وليها .. بكَ تكلفني، بك هذا خطاب، تكلِّفني هذا تكلم، إذن: انتقالٌ من الخطاب إلى المتكلم.

من الخطاب إلى الغيبة: (( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ) ) [يونس:22] بهم: هذا خطاب، وجرينَ بهم، الأصل: بكم هذا الأصل، لكن عَدَلَ عنه إلى الغيبة.

من الغيبة إلى لخطاب: (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة: 4 - 5] مالك .. (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [الفاتحة: 2 - 4] كلّها أسماء وهي غيبة، قال: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] والأصل أن يقول: إياهُ بالضمير، إياهُ نعبدُ لا إياك، لكن يُسمى التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت