وَنُكْتَةٍ تَخُصُّ، يعني: وربّ نكتة، تَخُصُّ، يعني: اختصّ، وربّ ما اختصَّ كلُّ موضعٍ منه بلطائف ونكت، تَخُصُّ بَعْضَ البابِ، الباب المراد به هنا: باب الالتفات، مثَّلوا له بالفاتحة كما قاله السيوطي وغيره رحمه الله تعالى، فإن العبد، يعني: لماذا حصَلَ إذا أردنا أن نقف مع الفاتحة: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ ) ) [الفاتحة: 2 - 5] حصَلَ التفات، قال السيوطي وغيره:"فإن العبد إذا ذكر الله وحده، ثم ذكر صفاته التي كلُّ صفةٍ منها تبعثُ على شدة الإقبال"كلُّ صفة منها .. (( لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [الفاتحة: 2 - 4] كل صفة هذه عند مَن يَقرأ بتدبُّر قد تبعثُ على شدّة الإقبال، وآخرها: (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ) [الفاتحة:4] المفيد أنه مالك الأمرِ كلِّه في يوم الجزاء، فحينئذٍ يُوجِبُ الإقبال عليه والخطاب بغاية الخضوع، والاستعانة به في المهمات، كأنه بلَغَ الغاية القصوى في الإقبال على الله عز وجل ثم خاطَبَه.
والوَجْهُ الاسْتِجلابُ لِلْخِطابِ ... وَنُكْتَةٍ تَخُصُّ بَعْضَ البابِ
وَصيغةَ الماضي لآتٍ أَوْردوا، يعني: مِن خلاف مقتضى الظاهر التعبيرُ عن المعنى المستقبل بلفظ الماضي، الأصل في الفعل الماضي أنه يدلُّ على زمنٍ مضى، لكن قد يُنقَل هذا اللفظ ولا يُراد به الزمن، ويُعبَّر به عن المستقبل، للدلالة على تحقُّق وقوعِ الحدث، (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) ) [النحل:1] أتى: فعل ماضي، ومعناه: سيأتي بدليل: (( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) ) [النحل:1] .. (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) ) [النحل:1] الاستعجالُ يكون لما مَضى أو لما سيأتي؟ لما سيأتي، إذن: قطعًا أن قوله: (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) ) [النحل:1] المرادُ به الساعة، حينئذٍ نقولُ: لم تأت بعد.
إذن: عُبِّرَ هنا بالماضي مُرادًا به المستقبل، لنكتة: وهي إفادة تحقق وقوع الحدث:
ومنه ماضٍ عن مضارعٍ وُضِع لكونه محققًا نحو فزع
وهذا كثير في القرآن: (( وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ ) ) [الأعراف:48] .. (( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ ) ) [الأعراف:50] .. (( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) ) [الأعراف:44] هذا كثير (( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ) ) [النمل:87] (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) ) [الكهف:99] ما نُفِخَ بعد، أليسَ كذلك؟ نقول: ما نفخ .. نقطع أنه ما نفخ بعد.
إذن: لماذا عُبِّرَ ونفخ، وهو فعل ماضي والأصل أنه يدلُّ على زمن انقطعَ وانتهى؟ لهذه الفائدة، هل هو من مقتضى ظاهر الحال، أو من الخلاف؟ من الخلاف، إذن: وَصيغةُ الماضي، يعني: مِن خلاف مقتضى الظاهر التعبير عن المعنى المستقبَل بلفظٍ ماض تنبيهًا على تحقُّق وقوعه.
لآتٍ، يعني: لمستقبلٍ أَوْردوا، وأوردوا: صيغة الماضي لآتٍ، أوردوا، أي: العرب أو البيانيون، وصيغة: هذا مفعول به، (( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ) ) [النمل:87] ففَزِعَ يَفزُع.
وَقَلَبوا لِنُكْتَةٍ وَأَنْشَدوا ..
وَمَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أَرْجاؤهُ كَأَنَّ لَوْنَ أَرْضِهِ سَماؤهُ