وَمَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ مُغبرةٌ يجوزُ فيه الوجهان، لأن مهمَه هذا مجرور برب، والواو هذه واو رب.
وَقَلَبوا لِنُكْتَةٍ: وقلبوا هذا ما يُسمى بالقلب عندهم، لِنُكْتَةٍ، يعني: لفائدةٍ، من خلاف المقتضى القلب، ما المراد بالقلب؟ قلبُ أحدِ الجزأين المبتدأ والخبر، لأنه يتحدَّثُ في الأصل عن المبتدأ والخبر أو الفاعل، من خلافِ المقتضى القلبُ، وهو أن يجعلَ أحدَ جزئي الكلام مكان الآخر، لكن ليسَ مطلقًا، والآخر مكان الأول، يعني: يُجعَلُ كلٌّ منهما متّصِفًا بصفة الآخر وحكمه، يعني: ليس المراد أنه يتقدَّم ويتأخَّر في اللفظ فقط لا، أن يُجعَل متصفًا بما اتصفَ به الأول، فالتبديل والتقديم والتأخير ليس في اللفظ فقط، بل حتى في الصفة والحكم.
زيدٌ أخوك، ما إعرابه؟ مُبتدأ وخبر، زيدٌ أخوك، أنتَ تعرف زيد، وحَكمتَ عليه بأنه أخٌ لك، زيدٌ: مبتدأ محكوم عليه، وأخوك خَبر، لو أردنا أن نقلِبَ ونقول: أخوك زيدٌ، هنا أَبدلت موضعا بموضع وأبدلت بين الجزأين ومع الحكم، لكن بشرط أن يُعرَب أخوك مبتدأ وكانَ هناك خبر، وزيدٌ يعرب خبرا وكان مبتدأً، ولا شك أن المبتدأ محكومٌ عليه، فجُعِلَ أخوك محكومًا عليه بعد أن كان محكومًا به، وفَرقٌ بين النوعين، حينئذٍ يُسمى هذا قلبًا.
لكن متى؟ إذا نُطِقَ بالجملة الأولى، ثم أرادَ أن يقلب عليه فيُقدِّم ويُؤخِّر أحد الجزأين عن الآخر وقاصدًا أن أحدهما مُتصفٌ بما اتصفَ به في الجملة السابقة، لذلك قال هنا: هو أن يَجعلَ أحد جزئي الكلام مكان الآخر، والآخر مكان الأول، أن يُجعَلَ متصفًا كلٌّ منهما بصفة الآخر وحكمه، لا مجرد الوضع موضعه مع بقاء كلٍّ منهما على حكمِهِ الأصلي.
في الدار زيدٌ، أصله: زيدٌ في الدار، لما قدَّمتَ وأخَّرتَ صدقَ عليه أنك جعلتَ أحدَ الجزأين مكان الآخر، لكن هل المراد التقديم اللفظي فقط، أم مع الحكم؟ لا، في الدار زيدٌ، في الدار ما يمكن أن يكونَ مبتدأ، بخلاف المثال الذي ذكرناه.
في الدار زيدٌ، أصلُها: زيدٌ في الدار، قدَّمت وأخَّرت، إذن: قلبت .. حصلَ القلب، القلبُ هنا للموضع مع الحكم أو الموضع فقط؟ الموضع فقط، ولا يكونُ القلبُ الذي معنا الذي هو نَوعٌ من أنواع البيان إلا إذا كان في الموضعِ والحكم معًا، كالمثال الذي ذكرناه: زيدٌ أخوك .. أخوك زيدٌ، إذا أردتَ أن تقلِبَ اللفظ مع الحكم، فحينئذٍ يُسمّى قلبًا.
وهذا مختلَفٌ فيه هل هو جائز أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
يُقبَل مُطلقًا"لأنه يُورِث الكلام ملاحةً"قاله السكاكي.
لا يُقبَلُ مطلقًا؛ لأنه عكس المطلوب ونقيض المطلوب.
التفصيل: إن تضمَّنَ معنىً لطيفًا جازَ، وإلا فلا، وهذا هو المرجَّحُ، وهو الذي ذهبَ إليه الناظم، لذلك قال: لِنُكْتَةٍ، دليلٌ على أنه إذا لم يكن لنكتةٍ لا يصحّ، فإذا لم يكن لنكتة .. لفائدة، القلب نقول: هذا لا يُعَدُّ نوعًا من أنواع البيان .. لا يُعَدّ نوعًا من أنواع البلاغة.