وَكَونُهُ، أي: المسند فعلًا ماضيًا، وهو الزمان الذي قبلَ زمانك الذي أنتَ فيه، يعني: قبلَ زمنِ التكلّم، قيّدَه النحاة بهذا .. قبل زمن التكلم؛ لأن الأزمنة باعتبار التكلم، إما أن يُخبِرَ عن شيءٍ قد مضى وانتهى، وإما أن يُخبِرَ عن شيءٍ سيقع في المستقبل، وإما أن يُخبِرَ عن شيءٍ حالٍ فيه.
الأول: الماضي، والثاني: المستقبل الذي هو الأمر، والثالث: الذي هو الحال للمضارع.
أما الماضي فعرَّفوه: بأنه الزمان الذي قبل زمانك الذي أنت فيه.
والمستقبل: هو الزمان الذي يُترقَّبُ وجودُه بعد هذا الزمان.
وأما الحال: فهو أجزاءٌ من أواخر الماضي وأوائل المستقبل.
الحال هذا فيه خلاف في إثباته، بعضهم ما يراه؛ لأنه أواخرُ أجزاء الماضي وأوائل أجزاء المستقبل، هذا أمرٌ يسير، يعني: أقل من الثانية، تتكلم تقول: زيـ .. الزاي صارت في الماضي، والياء في وقتِ نُطقها هو الحال، هذا لا يستقرُّ؛ لأنك لا تقف، تقول: زيدٌ، إذن انتهى كلّه صارَ ماضي، زيدٌ قائم، زيدٌ: هذا صارَ في الزمن الماضي، قا .. في وقت نطقِهِ هي حال، وقائمٌ: الميم وما قبلها هذا في المستقبل.
لذلك قالُوا: الحالُ أجزاءٌ من أواخر الماضي وأوائل المستقبل، مُتعاقبة من غير مُهلةٍ وتَراخٍ، ليس بينهما تَراخٍ وهذا لا إشكال فيه، فإذا قلت: زيدٌ يُصلِّي، يصلي: هذا فعل مضارع، ما مدلولُهُ؟ الحال، والأصحُّ عند الجمهور أنه يكون للحال والمستقبَل، والأصحُّ أنه للحال فقط، والاستقبالُ يكون مجازا بدليل؟ قرينة، أنه لا يُصرَفُ عن الاستقبال إلا بالسين، وسوف، ولن، ونحو ذلك.
زيدٌ يصلي: يُحمَل على الآن، طيب! زيدٌ يصلِّي بعض الصلاة، قد أوقَعَها في الزمن الماضي، وبعضها ستقعُ في الزمن المستقبل، ما هو الذي يُخبَرُ عنه بأنه في الحال؟ وقت الكلمة، إذا قلتَ: زيدٌ يُصلّي وهو في الركوع هذا الذي أخبرتَ عنه في الحال، وما قبله وما بعده إما ماضي وإما مستقبل.
ولذلك بعضهم أنكرَ وجودَ الحال، قال: هذا لا وجودَ له، والصواب أنه موجود، وهو ما عبَّر عنه بعضهم: بأنه أجزاءٌ من أواخر الماضي وأوائل المستقبل، بلا مُهلة ولا تراخٍ.
وكونه فعلًا مطلقًا سواءً كان ماضيًا، أو مضارعًا، أو أمرًا، فَلِلتقييدِ بالوقت، يعني: جِيءَ بالمسند فعلًا لأن يُقيَّدَ بالوقت، ما الذي يُقيَّد؟ المسند إليه، نعم أحسنت .. المسند إليه هو الذي يُقيَّد.
قام زيدٌ: قَيَّدتَ قيام زيد بوقوعه في الزمن الماضي.
يقوم زيدٌ: قَيَّدتَ هنا قيامَ زيد بأنه يقعُ في الحال.
قُم يا زيدُ: قيَّدت الطلب هنا .. طلب قيام زيد في المستقبل.
فالذي يُوصَف بكونه مُقَيدًا إنما هو الحدث الذي يُحدثه المسند إليه.
فَلِلتقييدِ، أي: فالإفادة الوصفِ، بِالوَقْتِ المدلول للفعل وهو أحدُ الأزمنة الثلاثة.
بِالوَقْتِ: أَطلقَ هنا ليشمل الماضي والحال والاستقبال، فمتى ما أرَدَتَ أن تُعيِّن واحدًا من هذه الأزمنة الثلاثة، وأردَتَ الإخبار بأن الوصف قد وقعَ في زمنٍ مُعيّن، فتأتي بفعلٍ وُضِعَ في لسان العرب دالًا بصيغته على هذا الزمن، فإذا أردتَ الإخبار عن قيامٍ قد حدثَ مِن زيد في زمنٍ قد مَضى، فتأتي تقول: قامَ زيد، حصَلَ التقييد هنا بفعلٍ ماضي وهو: قام.