وَنَكَّروا اتّباعًا، يعني: أتوا بالمسنَد نكرةً لا معرفةً؛ لأنّ الاسم قد يكونُ نكرةً وقد يكون معرفةً، والأصل في الاسم التنكير، أن يكون نكرة هذا هو الأصل؛ لأن التعريفَ زيادة ولا يُعدَلُ إليها إلا لسببٍ، ولذلك كلُّ معرفةٍ مُندرجة تحتَ النكرة من غير عَكس، الرجل أخصُّ من رجل، ورجل هذا أعمّ، والرجل هذا خاص، إذن: الأصل هو الذي يكونُ أعمّ، والفرعُ هو الذي يكون أخص.
وَنَكَّروا اتّباعًا، يعني: إتباعَ المسند إليه في التنكير، إذا كان المسند نكرة .. المسند إليه نكرة، جِيءَ بالمسند نكرة، هل يكون المسند إليه نكرة؟ نعم أحسنت بمسوِّغ، رجلٌ كريمٌ حاضرٌ، صحّ؟ صح، هنا حاضرٌ لماذا نُكِّرَ وهو مسند؟ إتباعًا للمسند إليه، لأن المسند هذا خبر، الخبر لا يكون أعرف من المسند إليه؛ لأنه حكمٌ، الأصل في المبتدأ هو الذي كون معرفة، ولا يجوز أن يكون نكرةً إلا بمسوغ، وهذا المسوغ يُقرِّبه من التعريف والتخصيص، فحينئذٍ يصحّ أن يُبتدأ به.
وأما إذا كان خبرًا فحينئذٍ لا يُشترَط فيه أن يكون معرفة، بل قد يكون نكرة وهو أصلٌ فيه، وقد يكون معرفةً، وإذا كان الأصلُ فيه النكرة حينئذٍ لا يُعدَل إلى التعريف إلا لفائدة، والأصل أنه إذا جيء بالخبر نكرة لا يُسأل لماذا نكر، لأنه جِيء به على أصله، لأن المراد الإخبار بمضمون الخبر، رجلٌ حاضرٌ .. رجلٌ كريمٌ حاضرٌ، يكفي. أما الحاضر لا يحتاجه.
وَنَكَّروا اتّباعًا، يعني: إتباع المسند إليه في التنكير، رجلٌ من الكرام حاضرٌ.
اوْ تفخيما، يعني: إرادةَ تفخيم شأن المسند، يعني تعظيمه، لأنّ النكرة تُفيدُ التعظيم، مثل: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة:2] ذلك .. هو .. هدىً، إذا أُعرِبَ على أنه خبر مبتدأ محذوف: هو هدىً، نقول: نُكِّرَ هنا للتعظيم، يعني: بلغَ هداية القرآن .. هداية الكتاب الهداية العظمى الكبرى التي لا يَعدِلها شيءٌ، لذلك عُبِّرَ بالمصدر، لأن المصدر يدلُّ على المبالغة، زيدٌ عدلٌ، يعني: كأن زيدا صار العدل كله، لا يخرجُ العدلُ بأفراده وآحاده عن زيد، كذلك: هو هدى، كل الهدى محصورٌ في القرآن.
ومنه: (( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ) [الحج:1] هذا فيه تفخيم، لكنه ليس من قبيل المسند.
اوْ تفخيما، يعني: إرادة تفخيم شأن المسند، أي: تعظيمه.
حَطًّا، يعني: أو حطًّا، والمراد به الضعفُ والتحقيرُ والانحطاط، انحطاطُ الشأن إلى غايةٍ لا يمكن فيها أن يُعرَّف، ما زيدٌ شيئًا، يعني: شيئًا يُعبأ به، ما زيدٌ شيئًا، شيئًا: هذا في الأصل هو مسند، زيدٌ شيءٌ .. ما زيدٌ شيئًا، (( مَا هَذَا بَشَرًا ) ) [يوسف:31] (ما) الحجازية، ما زيدٌ شيئًا، يعني: ليسَ بشيء يُعبأ به، فشيء هنا النكرة المراد بها الحطُّ والتحقيرُ.