أنها مُوصِلة إلى معرفة المزايا الزائدة على معاني الكلمات الأصلية التي هي من خَواصِّ التراكيب، كالمطابقة لمقتضى الحال، هذا في علم البيان. مثلًا يُذكر: أن هذا مطابق لمقتضى الحال أو لا، أيضًا في سرِّ الحذف، لم حُذفَ المتعلِق، أو لم حُذف المتعلَق؟ أو لم جِيء بأداة الشرط"إن"دون"إذا"، أو"إذا"دون"إن"، هذه كلّها يُبحثُ في فن المعاني ونحوه، فالكلمات المعربة المجرّدة عن هذه الخواص كالأشباح الخالية عن الأرواح؛ فليست معتبرةً بدونها، كما أن الجسم لا يُعتبر بدون الروح. هكذا قال الشارح:
وقد دَعا بَعضٌ مِن الطُّلابِ ... لِرَجَزٍ يَهدِي إلى الصَّوابِ
وقد دعا: قد هذه للتحقيق، ودعا بمعنى: طلب، بعضٌ من الطلاب:"بعضٌ"التنوين للتنكير، من الطلاب: بيانًا لهذا البعض؛ أنه ليس من المشايخ، وليس من العوام، بل هم من بعض الطلاب، لرجَز: اللام زائدة، ورجَز: هذا للتحريك ضربٌ من الشعر، نوعٌ من أنواع الشعر: وزنه مُستفعِل ست مرات، رجَز، قيل: سُمي رجزًا لتقارب أجزاءه وقلّةِ حروفه، وقيل: سُمي رجزًا لاضطرابه؛ لأن العرب تُسمي الناقة التي ترتعش فخِذاها رَجزاء كصحراء.
يَهدي هذا الرجز، الجملة صفة لرجز، يهدي، أي: يوصل إلى الصواب من علم هذا الفن الذي هو ضد الخطأ، الصواب الموافق للواقع.
فجئتُهُ: الفاء تدل على أي شيء هنا؟ التعقيب، أن هذا الرجز؛ هذا النظم أو هذا المؤلف سببُهُ دعاء الطلاب، كما في الحديث: {سها فسجد} الفاء هذه تدلُّ للسببية، فجئته: جاء بصيغة الماضي هنا، هذا قد يُفهم منه أن الخطبة تالية للتأليف، يعني: ألّفَ أولًا نظم، ثم بعد ذلك نظمَ الخطبة؛ لأنه قالَ: دعاء بعض الطلاب فجئته، إذن: يدل على أن الخطبة تالية وليست متلوَّة، أو أتى بالماضي للتفاؤل أنه سيأتيه بالنظم كاملًا.
فجئته برجزٍ مُفيدِ:"مفيد"هذا نعت لرجز، مفيد أصله"مُفيُد"اسم فاعل، وهذا يُسمى مجازًا عقليًا كما سيأتي، لأن الرجز وحده لا يفيد، إنما هو مُفاد يأتي، مهذّبٍ: يعني مُصفّى من شائبة الحشو ونحو ذلك، يعني: كل ما لا يتعلّق بالفن لن يذكره الناظم.
برجزٍ مفيدِ مهذبٍ منقحٍ: هذا فيه شَبه تكرار مع قوله مهذَّب؛ لأن المهذَّب بمعنى المصفى من شائبة الحشو ونحوه، والمنقّح بمعناه.
سديدِ: يعني لا خلل فيه كما ذكر الشارح.
ملتقِطًا: وملتقَطًا يجوزُ الوجهان، ملتقِطًا هذا هو حالٌ من فاعل جئتُ، الذي هو التاء، فجئتُه حال كوني ملتقِطًا من دُرر التلخيص، درر: جمع درّة، وأطلقَها على مسائل التلخيص يعني: الكتاب المسمى بالتخليص ...
من درر التلخيص: أي من درر التلخيص، يعني: من المسائل التي ذكرَها صاحب التلخيص وهو الخطيب القزويني، التلخيص هذا اسمُ كتاب، (من) هذه للتبعيض، يدلّ على أنه لم ينظم كلّ الكتاب، وإنما نظمَ القواعد العامة، كل باب نظم القواعد العامة، لذلك لم يَستوفِ، هو أشبه ما يكون بتعداد المسائل التي ذكرها صاحب التلخيص، ويختلف عن السيوطي في عقود الجمان، السيوطي نظمَ الكتاب التلخيص للخطيب القزويني في ألف بيت وكان زاد عليها، زاد على ما ذكره صاحب التلخيص من الشروحات والنقد والأمثلة ويشرح المثال إلى آخره.