فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 828

لم يذكر الحال، ولم يذكر المفعول المطلق، ولم يذكر المفعول لأجله، ولا الظرف المكاني ولا الزماني، لماذا؟ قالوا: لأنه يُعلَم حالُها مما ذُكِرَ، يعني: ذَكَر بعضَ أحوال متعلِّقات الفعل للاستغناء عن ذكر الباقي منها، إما بما ذُكِرَ هنا أو بما سَبَقَ في غير هذا الباب لظهور جريانه فيه، إذن ذكر البعض وهو المفعول به، ولم يذكر البقية .. بقية المعمولات، لماذا؟ لأنه يمكن أن تُجرى الأحكام السابقة في بابِ المسند والمسند إليه، على هذه المعمولات، وحينئذٍ نقولُ: هذا بابُ المعاني في الغالب أنه متشابه في الأحكام والأغراض والمقاصد؛ لأن مبناهُ على الذوقِ في غالب ما يُذكَر، ثَم قواعد مطردة لا بدّ من اعتمادها، ولكن ثَم أمور كثير ليست بقليلة مبناها على الذوق الذي يحكمُ به الناظر في هذه الأمثلة.

ولم يَستوعب الناظم كأصله جميع المتعلِّقات، وإنما ذكَرَ منها الفاعل والمفعول فقط، وذِكرُ الفاعل في باب المسند إليه أليقُ؛ لأنه مُسندٌ إليه، هذا أولى من أن يُذكَرَ في هذا الموضع، والمراد بالأحوال هنا هي الذكر والحذفُ والتقديم والتأخير، الذكر: أن يُذْكَرَ المفعول به، الحذف: أن يُحذَف، التقديم: يتقدَّمُ على عامله، التأخير: يتأخَّرُ في موضعه، لكن هذه قد تتأتّى في المفعول به، لكنه لما ذَكَرَ الفاعل وكأنه أطلقَ عليه أنه مُتعلِّق بالفعل حينئذٍ لا يتأتى فيه الحذف ولا التقديم على مذهب البصريين، فالحذفُ والتقديمُ إنما يتأتيان مع المفعول وغيره، وقد يكون في غيره أيضًا بعض التفصيل، لكن ذِكرُ المفعولِ هنا قد يتأتى فيه الأربعة الأحوال.

أما الفاعل وهو مُسندٌ إليه ركن، إذن لا يجوزُ حذفه .. لا يجوزُ حذفُهُ إلا على مذهب الكوفيين، والصواب أنه لا يجوز حذفُهُ؛ لأنه عُمدة، ولو دُلَّ عليه، إلا ما سُمِعَ من لغة العرب كحذفِ فاعل المصدر ونحوه فهذا يُسمع ولا يقاس عليه، يعني: يُحفَظ ولا يُقاس عليه.

كذلك لا يصحُّ تقديم الفاعل على عامله، كما تقول: زيدًا ضربتُ جائز، يجوز أن يتقدَّم المفعول على العامل:

وَقَدْ يُجَاءُ بخِلافِ الأصْلِ وَقَدْ يَجِي المَفْعُولُ قَبْلَ الفِعْلِ

ولكن هل يجوز تقديم الفاعل على عامله على مذهب البصريين وهو الأصحّ أنه لا يجوزُ إلا على مذهب الكوفيين، وبعض البيانيين يُعمِّم مثل الأحكام، ولذلك نُسِبَ للسكاكي أنه مثَّلَ لحذف الفاعل، ومثل لتقديم الفاعل، هذا مَبنيٌ على ماذا؟ مَبنيٌ على أنه يميل إلى آراء الكوفيين بكثرة، فحينئذٍ إذا نظرتَ في كتب البيانيين وقد مثَّلَ لحذف الفاعل وطردَ الحكم ولم يستثنِ تعلم أنه قد جرى في هذه المسألة على مذهب الكوفيين، كذلك إذا جوَّزَ التقديم .. تقديم الفاعل على العامل نقول: هذا قد جرى على مذهب الكوفيين.

إذن: الأحوال أربعة: الذكرُ والحذفُ والتقديمُ والتأخيرُ، هذه تتأتّى في المفعول به ولا تتأتّى كلها في الفاعل، وإنما يتأتّى فيه الذكر والتأخير فقط، والتأخيرُ الأصل أنه لا يعلَّل، وإنما يُقال: لأصالته، إذن: والأحوالُ هنا هي الذكرُ والحذفُ والتقديم والتأخير، والتقديم والحذف لا يتأتيان في الفاعل؛ لأنه لا يُحذَف ولا يتقدَّمُ إلا على مذهب الكوفيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت