إذن: الباب الرابع في أحوال متعلِّقات الفعل، لم خصَّ الفعلَ دون غيره مما يعمل عمل الفعل وهو كالفعل؟ نقول: لأن العمل في الأصل للأفعال، وما عداهُ فهو محمولٌ عليه وفَرعٌ له، فحينئذٍ نقولُ: المراد بالتعلُّق هنا كما ذكرَ بعضهم: أنه الارتباط أو النسبة من الجانبين.
قال رحمه الله: والفعلُ مَعْ مفعولهِ كَالفِعْلِ مَعْ فاعِلِهِ ..
والفعلُ: الواو هذه للاستئناف البياني، والفعلُ: المرادُ به الفعل الاصطلاحي .. صناعي، الماضي والأمر والمضارع، وليس المرادُ به الفعل اللغوي وهو الحدث.
والفعلُ مَعْ مفعولهِ: والفعل نوعان: فعلٌ قاصر لازم لا يتعدى وإنما يُذكَرُ لإثبات ذلك الحدث لفاعله فقط، قامَ زيدٌ .. جلسَ عمروٌ .. قعدَ محمد، نقول هنا: هذا فِعلٌ لازم ولا يتعدى إلى مفعولٍ به، فحينئذٍ في مثل هذا يحتاجُ إلى يُبيِّن الفاعل الذي قد أحدثَ ذلك الفعل فحسب، ولا نحتاجُ إلى مفعولٍ به ولا غيره، هذا الفعلُ اللازم، وقد يكون متعدِّيًا.
هنا قال: والفعلُ، أي: المتعدّي، وهل الحكم خاصٌّ بالفعل؟ نقولُ: لا، الفعل الاصطلاحي المتعدّي، وكذلك ما يعملُ عملَ الفعل في حكمه، ولذلك السيوطي قال:
والفعلُ أو بقيةُ العواملِ مع اسمها المنصوب مثلُ الفاعلِ
والفعل أو بقية العوامل: كلّ بقية العوامل التي تعمل عمل الفعل فهي داخلةٌ في حكم ما يتعلُّقُ بالفعل، والفعل المتعدي أو بقية العوامل التي تعملُ عملَ الفعل مع مفعوله، المفعول إذا أُطلِقَ انصرف إلى المفعول به، هذا هو الأصل، فحينئذٍ نُقيِّدُ قوله: مَعْ مفعولهِ، المراد به المفعول به.
وخصَّهُ به دون غيرهِ من المفاعيل، لماذا؟ قالوا: لأنه قَريبٌ من الفاعل، هذا هو الأصل، أنه يُذكَرُ الفعل ثم الفاعل، ثم المفعول به، هذا مِن المفاعيل المقيّدة، وإن كان الأصل والأصحُّ أنه يُذكَرَ المفعول المطلق بعد الفاعل، لأنه أصل المصدر كما سيأتي، ويُذكَرُ بعده المفعول به، لكن علَّلوا هنا من باب أنه: لماذا قيّدَ المصنف كصاحب الأصل .. قيد المفعول هنا بالمفعول به؟ قالوا: لقربه من الفاعل، هو قريبٌ من الفاعل، ولو فُصِلَ بينهما بالمفعول المطلق، لأن المفعول المطلق هو جُزءٌ من الحدث فلا إشكال حينئذٍ في فصلِهِ بين الفاعل والمفعول به.
إذن: خصَّهُ به لقُربه من الفاعل، وإن كان سائر المفاعيل في جميع المتعلِّقات كذلك، فإن الغرض من ذكرها مع الفعل إفادة تلبُّسِهِ بها من جهاتٍ مختلفة، كالوقوع فيه، ومنه، وله، ولأجله، وغير ذلك مما يُذكَر في مواضعه.