مثلًا كالمثال الذي سنذكرُه: (( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ ) ) [يونس:25] يدعو: فعل مضارع متعدي، أين مفعوله؟ حُذف لإفادة العموم، طيب! يمكن نذكره، ونقول: يدعو كل العباد وجميع العباد فأفادَ العموم مع الذكر، فلماذا نحذفه لإفادة العموم؟ للاختصار؛ لأن قوله: (( يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ ) ) [يونس:25] ليس هو كقول: يدعو جميعَ العبادِ إلى دار السلام فهو أخصرُ.
إذن: إفادة العموم مع الاختصار، ولو أُطلِقَ على ما أراده أو ظاهر كلام الناظم حينئذٍ يمكن أن يقال: الأولى ذكره، وذكرُهُ أولى من الحذف فحينئذٍ يمكن أن يُؤتى بصيغة تدلُّ على العموم، نقولُ: لا، لا بدَّ من حذفِهِ مع إرادة العموم ولو ذُكِرَ؛ لأنه لو ذُكرَ صار الكلام فيه طول، وحذفُهُ مع إرادة العموم هذا أخصر، فالعلة مركبة، فعلة وجوب الحذف هنا مركّبةٌ من التعميم والاختصار: (( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ ) ) [يونس:25] أي: جميع عباده.
قد كان منه ما يُؤلم كلَّ أحد، هكذا مثَّلوا له، يؤلم مَن؟ كلّ أحد طيب! لو ذكرنا كلّ أحد نقول زدنا في الكلام ونحن نريدُ الاختصار، والأول يفيدُ العموم تحقيقًا: والله يدعو جميع العباد، هذا تحقيقًا أفادَ العموم، وأما يؤلم كلّ أحد، هذا من باب المبالغة.
وإن احتملَ المثالان هنا أن يكونا من قبيل ما نُزِّلَ الفعل فيه مُنَزَلة اللازم، (( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ ) ) [يونس:25] هذا يحتملُ أنه كقوله: (( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ) [الزمر:9] كذلك في الفعلِ الثاني، لكن التأمُّل الذوقي يشهدُ بأن القصد في هذا المقام إلى المفعول، بعضهم رأى أنه من تَنْزِيل المتعدّي مُنَزلة اللازم، وبعضهم يرى أنه من النوع الثاني، ولكن الذوق يشهدُ بأن القصد إلى المفعول، وهذا الذوق يختلفُ من شخص إلى شخص، ولذلك تطبيق الأغراض التي يذكرها البيانيون في علم المعاني هذه تختلف من شخص إلى شخص.
ويُحذفُ المفعولُ، أي: به، للتعميمِ مع الاختصار، زِيدوا هذا، أي: لإرادةِ العموم في أفرادِهِ كما ذكرناه في المثاليين السابقين.
وهُجْنةٍ: بضم الهاء هُجنة أي: يُحذَفُ المفعول لهجنة .. لأجل هُجنة، والمراد بالهجنة هنا: الاستقباحُ والتصريحُ بالمفعول به، أي: قُبْح فيه، فيُستهجَن التصريح فيُحذَف لذلك، يعني: لا يريد أن يذكره فيه قُبح، يمثلون له بقول: عائشة ولا يصح: {ما رأيتُ منه، ولا رأى مني} ما رأيت العورة أو الفرج، ولا رأى مني العورة أو الفرج، حينئذٍ حُذِفَ المفعول به في النوعين هنا .. في المثالين هذا من أجل الاستقباح، لكنه لا يصحُّ هذا.
{ما رأيتُ منه ولا رأى مني} أي: الفرج أو العورة، فحُذِفَ المفعولُ في الموضعين لما في التصريح بلفظِ العورة من الهجنة، وقرينةُ الحذفِ حينئذٍ اقترانُ هذا الكلام بذكرها أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وقتَ مباشرة نساءه، قلنا: لا يصح.