أيّهما أولى .. أيهما ألصقُ؟ ضربتُ ضربًا زيدًا، أو ضربتُ زيدًا ضربًا؟ الألصقُ هو المفعول المطلق، والمصدر المفعول المطلق أصلُ الفعل، والمفعول به قد يكون في المعنى فاعلًا، لكنه في الاصطلاح لا يُسمّى فاعلًا، وإنما يكون من جهة المعنى كفاعل أعطى .. كفاعل أعطى الأول، وما كان بلا واسطة مُقدَّمًا على الذي بواسطة، هذا لا إشكال فيه، ما كان بلا واسطة مُقدَّمًا على الذي بواسطة، شكرتُ زيدًا لعلمه، شكرتُ هذا يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بدون واسطة، والثاني بواسطة، أيّهما الأولى في التقديم؟ ما لم يكن بواسطة هو المقدَّم على ما كان بواسطة، ثم المفعول فيه الزماني، لأنه ألزمُ للفعل ولا يقعُ في غيره ودلَّ عليه بصيغته، لأن الزمن يُؤخَذُ من الفعل بدلالة الصيغة، ضَرَبَ: الصيغة دلَّت على الزمن الماضي، يضرِبُ: الصيغة دلَّت على الزمن الحال، اضرِب: الصيغة دلَّت على الزمن المستقبل.
من أين عرفنا الزمن؟ نقول: بصيغته، كونه على وزن فَعَلَ يَفْعُل افْعَل، هذا المراد بالصيغة الحركات والسكنات، وأما المكاني فهو مَدلولٌ عليه بدلالة اللزوم، ضربَ زيدٌ عمرًا، هل نأخذُ من اللفظ الزمن؟ نعم من اللفظ، كونه على وزن ضَرَبَ عرفنا أنه في الزمن الماضي، لا الحال ولا المستقبل، لكن أين ضربه؟ لا بدَّ من مكان، أين هو المكان؟ الله أعلم، لا بدَّ من لفظٍ يبيّنُ حقيقة هذا المكان، وأما كونه في مكان فلا بدّ من هذا، لأنه لا يمكن أن يضرِبَ زيدٌ عمرًا لا في مكان، كما أنه لا يمكن أن يضربه لا في زمن، الحدث لا بدّ له من زمن، ولا بدَّ له من مكان، لكن دلالة الحدث الذي هو الفعل على الزمان باللفظ .. بالصيغة، وأما دلالتُهُ على المكان فهو باللازم، أمر الذهن خارج عن اللفظ، كما نقول: أن المحدِث الفاعل .. الفعل لا بدَّ له من فاعل، لماذا؟ لدلالة العطف: أن كلّ حدثٍ لا بد له من محدثٍ، إذن: شيءٌ خارجٌ عن اللفظ.
كذلك هنا نقول: إذا اجتمعَ الظرف الزماني والمكان قُدِّم الزماني لأنه ألصقُ وألزم، ولأنه يدلُّ عليه بصيغته بخلاف المكاني، ثم المكاني أقرب إلى اللزوم، ودلَّ عليه الفعل باللازم لا بالصيغة، ثم المفعول له؛ لأنَّ له غرضًا لا يخلو فعلُ عاقلٍ عنه، ثم المفعول معه بعدَ ذلك لقلّة رعايته، آخر المفاعيل المفعول معه، ولذلك في إثباته خلاف، بعضهم ينفيه يقول: لا مفعول معه عنده، قلنا: وأكثرُ الكوفيين على هذا، أنهم يُنكِرون المفعول معه.
واتّباع الحال والنعت لصاحبها هذا أمرٌ ظاهر، لماذا الحال تأتي عقِيبَ صاحب الحال؟ لأنها في المعنى صفة، وصاحب الحال في المعنى موصوف، إذن لا إشكال، كذلك التابع مع المتبوع هو في المعنى صفة، وتقديم النعت على غيره من التوابع؛ لأنه وَصفٌ وهو ألزمُ للموصوف، لأنّ العرب إذا أرادت أن تنعتَ جاءت به على صيغة معينة وشروط، فحينئذٍ ما كان وصفًا في المعنى، وما كان وصفًا في اللفظ والمعنى أيهما أولى؟ الثاني: ما كان وصفًا في اللفظ والمعنى بشرطه الذي وضعته وقصدته العرب إذا اجتمعَ مع غيره وهو وَصفٌ في المعنى، ولم يكن مقصودًا عندَ العرب ولم تَضع له قواعد وضوابط حينئذٍ نقول: الأول مُقدَّم على الثاني.