فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 828

إذن: يتوجَّهُ النفي إلى صفته لا إلى ذاته؛ لأن نفس الذات يمتنع نفيُها، وإنما ينفى صفاتها، ولا نزاعَ في طوله وقصره ونحوهما من صفاته اللازمة التي لم يقع فيها نزاع، وإنما النزاع في كونِهِ شاعرًا أو كاتبًا، من أين أخذنا هذا النزاع؟ باعتبارِ الواقع، لأننا نقولُ: قصر إضافي، يعني: بالنسبة إلى شيءٍ آخر، هذا بالنسبة إلى شيءٍ آخر لا يُؤخَذُ من لفظ القصر، لو قال قائل: ما زيدٌ إلا شاعرٌ، ما نُقِلَ إلينا: من الذي يخاطبه، وما يعتقد، وإنما نَقِفُ مع اللفظ نفسه.

ولذلك نقول: يجوز أن يكون قصر إفراد، ويجوز أن يكون قصر قلبٍ، وما الذي يُعيِّنه، هو يخاطب واحد فقط .. ما الذي يُعين هذا أو ذاك؟ نقول: المقام، فحينئذٍ إذا قِيل: توجّهَ النفي إلى الصفتين: كونه شاعرا وكاتبًا، لماذا سميناه شاعرا وكاتبًا، من أين جئنا بالصفتين هذه؟ نقول: المقام، قد نتنازعُ أنا وأنت، أو تعتقد أنت أن زيد عالم ومحدث أو مفسّر، أقول: ما زيدٌ إلا مُفسّرٌ، إذن: حصلَ نزاعٌ وحصلَ خلافٌ وحصلَ أخذٌ وعطا، وثم مخاطَب إلى آخره، أما اللفظ لوحده ما يتأتّى هذا، وإلا لماذا سُمي: إضافيًا؟ لأن الخطاب والكلام إنما يوجّه إلى مخاطب.

إذن: ما في ذهن المخاطب مُعتبرٌ في قولنا: ما زيدٌ إلا كاتبٌ، والنظر هنا باعتبار ما في ذهنِ المخاطب تنبَّه لهذا، في كونه شاعرا أو كاتبا، لأن بعضهم يقول: لماذا قال شاعر وكاتب، لماذا يقفون مع هاتين الوصفين؟ نقول: لأن المقام يقتضي هذا، تناولهما النفي، فإذا قيل: إلا شاعرٌ جاء القصر، ما زيدٌ: نُفيَ كونه شاعرًا وكونه كاتبًا، فإذا قيل: إلا شاعرٌ حصلَ القصرُ.

وفي قصر الصفة على الموصوف بـ (إلا) والنفي إفرادًا: ما شاعرٌ إلا زيدٌ، هذا قصرُ إفراد، قصرُ صفةٍ على موصوفٍ إفرادًا: ما شاعرٌ إلا زيدٌ، قصر إفراد لمن اعتقدَ الشركة، وهل يصحُّ أن يكون قصرَ قلب؟ أن غير زيد هو الشاعر نعم .. أن عمرًا أنه شاعر، وتحقيقُ القصر فيه أنه متى قيلَ: ما شاعرٌ فأُدخِلَ النفي على الوصف المسلِّم ثبوتُه، أعني الشعر لغير من الكلام فيهما كزيدٍ وعمروٍ مثلًا توجَّهَ النفي إليهما، فإذا قيل: إلا زيدٌ جاء القصر .. ما شاعرٌ، هذا المتحدِّث يرى أن زيدا وعمرا كلٌ منهما شاعر، إذا اشتراك موصوفين في صفةٍِ واحدة، فقلتُ: ما شاعرٌ نُفي زيد وعمرو، إلا عمروٌ، أُثبتت الشاعرية لعمرو.

إذن: النفي بأحدِ أدواته مع الاستثناء، وأدواتُ القصر إلا إنما، يعني: وإنما، إنما بالكسر .. بكسر الهمزة، أَثبته الجمهور ونفاهُ كثير، يعني: ليسَ متفقًا عليه، (ما) و (إلا) هذا مُتّفقٌ عليه أنه من أدوات القصر، بل هو أعلى درجات القصر .. أعلى درجات القصر، ولذلك جاء عليه قوله تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] وما عداه فهو فيه خلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت