فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 828

والسيوطي رجَّح في عقود الجمان أنه لا بدَّ أن يكون على جهة الاستعلاء، فإن لم يكن على جهة الاستعلاء، كأن يكون من السافل للعالي فهو دُعاء، وإن كان من المساوِي للمساوِي فهو التماسٌ، وهذه القسمة إذن قسمة ضِيزى لا أصلَ لها في لغة العرب، ليس ثَم ما يدلُّ على أن صيغة افعل إذا كان من المساوي للمساوي أنها تُسمى التماسًا، أو أنها من الأدنى إلى الأعلى أنها تُسمى دعاءً، وإن كان في مقام .. لأنهم يقولون: ربّنا اغفر لنا .. اغفر، هل تقول: هذا أمر؟ نقول: هذا لكونِ المخلوق مخلوقا والخالق خالقا، هذا لأمرٍ خارجٍ، نقول: تأدُّبًا مع الرب جل وعلا، لا نقول: هذا أمر، هذا واضح بين، لكن إذا قال لصاحبه: اسقني ماءً، نقول: هذا أمر، وإن لم تكن له سُلطةٌ عليه.

إذن نقول: لا يُشترَط فيه علوٌ ولا استعلاء، وهذا هو الأصحُّ عند الأصوليين، والذي ينبغي أن يكون مرجَّحًا عند البيانيين، لكن يخالفون في باب البيان، يقول: لا بد من أن يكون على جهة الاستعلاء، وفي مقام الأصول هناك يقول: لا:

وليسَ عند جل الأذكياءِ شرط علوٍ فيه واستعلاء

وخالفَ البادي بشرط التالي وشرطُ ذاك رأي ذي اعتزال

واعتبرا معًا على توهين لدى القشيري وذي التلقين

فأربعة مذاهب فيها،

والأصحُّ أن يُقال: بأنه لا يُشترَط فيه علوٌ ولا استعلاء هناك وهنا؛ لأن مباحثَ الأصوليين هي في الأصل مباحث لغوية، وإن زادَها الأصوليون بعضَ التحقيق والتعمُّق في المعاني، ولذلك يُقال: بأن الأصوليين أعمقُ مِن جهة المعاني من النحاة وغيرهم.

أمرٌ ونهيٌ، النهيُ: طلبُ الكفِّ عن الفعل، نقول: طلبُ التركِ عن الفعل، سواءً دُلَّ عليه بنحو، أو ما دُلَّ عليه، هذا الكف ينحصرُ في نوعٍ واحد، وهو ما دُلَّ عليه بنحو: لا تفعل، طلبٌ لترك .. طلبُ الكفِّ عن الفعل، مَدلولٌ عليه بنحو: لا تفعل، لا بدَّ من هذا القيد؛ لأن الكفَّ المدلول عليه بنحو: افعل، نقول: هذا أمرٌ وليس بنهيٍ، صيغتُهُ .. ما هي الصيغة؟ نقول: له صيغة، نقول: صيغته ما كان مقرونًا بـ (لا) الناهية، لكن السؤال إذا قيل: هل له صيغة أم لا؟ نقول السؤال بِدعي. وإن بعض الحنابلة أنكر أن يُقال: صيغة الأمر، كيف تقول: صيغة الأمر؟

أقيموا: هذا صيغة أمرٍ، الأمر هو الصيغة، والصيغة هو الأمر .. هو عينُهُ، أليسَ كذلك؟ فحينئذٍ كيف يُعبَّر بالصيغة؟ لكن نقولُ: لا، المراد بالصيغة ما يدلُّ على الطلب فقط، لو قيل: افعل .. لو قيل: الطلب أمر، يأمرُ بأي لفظٍ؟ لا تفعل يا زيد، هل يُعَبِّر عن هذا المعنى الذي قامَ في نفسه بأنه أرادَ أن يطلب، هل يُعَبِّر عنه بأي لفظٍ؟ هنا يأتي الذي يقول: هل للأمر صيغة؟ يقول: لا، بعضهم نسبَهُ إلى أبي الحسن الأشعري، أنه يُقال: الأمر ليسَ له صيغة، معناه: يحتمل إذا قيلَ: قُم يا زيد، يحتمل هذا أمر، ويحتملُ أنه نهي، ويحتمل أنه نداء ويحتمل ويحتمل عدة احتمالات، وإذا قيل: لا تفعل، هذا يحتمل أنه أمر، إذا قيل: بأن الأمرَ ليس له صيغة والنهي ليس له صيغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت