لكنها تُفيدُ فرضَ ذلك الشيء غيرَ الواقعِ واقعًا على طريقِ فرضِ المحالات، يعني: فرضَت غير الواقع واقعًا، لو جاءَ زيدٌ، هذا محال، أو غير واقع؟ غير واقع، إذن: فَرَضت غير الواقع كأنه واقعًا، فكأنه أرادَ أو أشارَ إلى بذلِ الإكرام، متى؟ إذا وَقَعَ ذلك الشيء غيرُ الواقع، إذن نقول: لكنها تُفيدُ فرضَ ذلك الشيء الذي هو مجيء زيد غيرَ الواقع واقعًا، على طريقِ فرضِ المحالات والتمني يشاركها في هذا المعنى الذي تفيده (لو) ، وهو فرضُ غيرِ الواقع واقعًا، اشتركا في هذا القدر، ليتَ تُفيدُ أن غير الواقع واقع، وكذلك (لو) والتمني يشاركها في هذا المعنى الذي تفيدُه لو من فرضِ غير الواقع واقعًا.
فلما امتنعَ إجراؤه على أصله ناسَبَ أن يضمن معنى التمني، فكأنك قلتَ في المثال المذكور السابق: ليتَ الإتيان منك والحديث اللذين هما غيرُ واقعين كانا واقعين، لو تأتيني فتحدّثَني، ليتَ الإتيانَ والحديثَ منك اللذين هما غير واقعين واقعين، تمنّى غير الواقع أن يكون واقعًا، أي: ليتَ المفروضَ واقعٌ، إذن: لما حَصَلَ الاشتراك في هذا القدر حينئذٍ نُزِّلَت (لو) مُنَزّلة (ليت) .
كليتَ: واستعملوا مجازًا للتمني كليتَ: لَوْ، إذن: لأنها تكونُ للمُحال والتمني قد يكون محالًا.
وَهَلْ: هذا الحرفُ الثاني الذي يُعامَل معاملة (ليت) يعني: يستعملُ الاستفهام بـ (هل) مُرادًا به التمني، قد يُستعمَل (هل) في مقام (ليتَ) لكنه من جهة المجاز، قد يجيء التمني بـ (هل) وأصلُ (هل) هو الاستفهام .. طلبُ الفهمِ، متى .. متى نحكمُ على أن (هل) للتمني؟ قالوا: لا بدَّ من ضابط .. لا بدَّ من قرينة، الأصل في الاستفهام إذا قيل: هل قامَ زيدٌ .. هل عندك علمٌ بثبوتِ القيام أو نفيه؟ إذا قلت: هل قامَ زيدٌ، تستفهِمُ عن ماذا، هل عندَك علمٌ بثبوتِ القيام لزيد أو نفيه؟ لا، إذن: الأصلُ الجهل بالثبوت والنفي، لو كان ما بعدَ (هل) معلومًا لك قطعًا، قالوا: هذا دليلٌ على أن (هل) ليست للاستفهام، خرجَت عن الاستفهام.
(( فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا ) ) [الأعراف:53] هو يعلمُ ما في شفاء، نعلم أو لا نعلم؛ نجزم؟ (( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) ) [طه:109] هذه مسألة أخرى، (( فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ ) ) [الأعراف:53] إذن: يعلُم المتكلِّمُ بأنه لا شفاعة، (هل) هنا بمعنى طلبُ الفهم والاستفهام والسؤال، أم أنها خرجَت عن أصلها؟ خرجَت عن أصلها، بدليل القطعِ بما بعدها .. بانتفاءِ ما بعدَها، ولو كانت للاستفهام لكان ما بعدَها مَظنّة الجهل، لأنه لا يُثبت له نفيٌ ولا إثبات، هل جاء زيد؟ لا تدري هل هو قادمٌ هل جاء أم لا، فإذا علمتَ بما بعدها حكمتَ بأن (هل) هنا ليست على بابها، إذن: قد يجيء التمني بـ (هل) التي أصلُها للاستفهام، حيثُ يعلَمُ القائل امتناعَ ما بعدها كالمثال الذي ذكرناه.