وهَمزٌ عُلِما، همزٌ، أي: مُسمّاه، كل ما سبقَ لا نقدِّر مسماه، لأنه حكاه بالمسمى (هل) .. (هل) مسمى وهي اسمها: (هل) مثل: سوف والسين، السين نقول: السين، أي: مُسمى السين: (( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ) ) [البقرة:142] سه هي التي تدخل على الفعل المضارع، وهي التي تكون علامة، وأما السين هي اسمٌ، ليست بحرف، الهمزة نقول: هذه اسمٌ، أزيدٌ .. أ، هذه مُسمى الهمزة، إذن قوله: (هل) و (أيٌّ) و (متى) إلى آخره، نقول: هذه حكاها بالمسمى، لأن ما كان على حرفين يُلفظ بلفظ المسمى، وما كان على حرفٍ يُؤتى باسمه، وهنا قال: وهَمزٌ عُلِما، أي: ما ذُكِرَ من كون هذه أدوات للاستفهام، والألف هذه للإطلاق.
قال:
والهمزُ للتصديقِ والتصورِ
3 وبالذي يليهِ معناهُ حَرِي
والهمزُ: بدأ بالهمزة لماذا؟ لأنها أمُّ الباب، لا إشكال، فهي أولى بالتقديم، مع كونه أخَّرها في الذكر، قال: هل ومتى إلى آخره، ثم قال: وهمزٌ عُلِما، هل رتَّبَ أو لا؟ لم يرتب، هذا نسميه ماذا؟ لفٌّ ونشرٌ مشوَّش، أو غير مرتب: (( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) ) [آل عمران:106] قدَّمَ الذين ابيضت وجوههم على الذين اسودت، لما جاء عند التفصيل: (( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ) ) [آل عمران:106] ثم قال: (( وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ) ) [آل عمران:107] حينئذٍ نقول: هذا قدَّم وأخَّر، يُسمى لفًا ونشرًا مشوشًا.
والهمزُ، أي: مُسماها، للتصديقِ والتصورِ، التصديق قلنا: هو إدراك وقوع النسبة التامة أو لا وقوعها، وهذا بحثه في الأصل أنه في فنِّ المنطق، والأصلُ أنه لا يعاد هنا، لكن نقول: التصديق تفعيل من الصدق، سُمي إدراك وقوع النسبة التامة، أو لا وقوعها، سُمّي تصديقًا تسميةً له بأشرف الاحتمالين، لأن مُتعلّق التصديق هو الخبر، والخبر هو ما يحتملُ الصدق والكذب، وما يحتملُ التصديق، بأن يُنسَب صاحبه أو قائله إلى الصدق.
وفي نفس الوقت نقول: يحتملُ التكذيبَ، لكن أيُّهما أشرف؟ التصديق، فحينئذٍ يُسمّى تصديقًا تسميةً له بأشرف الاحتمالين، وأيضًا قد يُقال من باب إحسان الظن، إذا قيل: قام زيدٌ، نقول: هذا تصديق، إدراك وقوع المدلول قامَ زيد المركّب، نقول: هذا تصديق.
والتصوّر: إدراك ما سوى ذلك، فإذا قلتَ: قام زيدٌ، قلنا: هذه فيها أربعة إدراكات، أولًا: الإدراك هو وصول النفسِ إلى المعنى بتمامه هذا الإدراك، قامَ: هذا واحد، زيد: هذا ثاني، قيام زيد كالشاك هذا ثالثٌ، وقوع قيام زيدٍ بالفعل أو عدم وقوعه: هذا هو الرابع، الرابع هو التصديق، والصواب أنه بسيط وليسَ مركّبًا، ولذلك قال: ودركُ نسبةٍ، أي: النسبة الخارجية، وليست النسبة الكلامية، فإن كان المراد النسبة الكلامية حينئذٍ لا بد من تقدير: ودركُ وقوع نسبةٍ، وإذا كان المراد النسبة الخارجية حينئذٍ يكون: ودركُ نسبةٍ، على أصلها ولا نحتاج إلى تقدير مضاف محذوف.