فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 828

وَهَلْ لتصديقٍ فقط، دون التصوّر، بعكسِ ما غَبَرْ، ما هو غبر؟ ما هو العكس؟ العكس: قلبُ جزئي القضية، العكس اللغوي أحسنت، العكس هنا، يعني: بمخالف، أو بخلاف .. بخلاف ما غبر، غبرَ: يأتي للماضي والاستقبال، والمراد به هنا: ما بقيَ.

بعكسِ ما غَبَرْ، يعني: ما بقيَ من الأدوات بعد الهمزة و (هل) بعكسِ ما غَبَرْ، ما غبر، يعني: ما بقي .. غَبَرَ، ما بقيَ من الأدوات بعد الهمزة و (هل) لأنّ الهمزة للتصور والتصديق، و (هل) للتصديق، عكسُ (هل) وعكس الهمزة، ما هو؟ لأن القسمة ثلاثية، عقلية أو استقرائية، أيهما أولى؟ استقرائية وعقلية معًا، وهو الظاهر أنها عقلية أيضًا، لماذا؟ لأن العلم منحصرٌ في اثنين لا ثالث لهما باتفاق، إما أن يكون علم تصور، وإما أن يكون علم تصديق لا ثالث لهما، هذا باعتبار نفسه ذاته، وأما باعتبارِ الطريق الموصِل إليه فهو نظري وضروري.

إذن: العلمُ باعتبار نفسه ينقسم إلى قسمين: وهو التصور والتصديق، وباعتبار الطريق الموصل إليه فهو إما نظري وإما ضروري، هل يُتَصوّر أن يُستفهم بـ (هل) وأخواتها، أو الهمزة وأخواتها لا عن تصور ولا تصديق؟ لا، لأنه هو يُستفهَم بها عن علم، فإذا لم يُستفهَم بها عن علم، هل يُستفهَم بها عن الجهل؟ نقول: لا، إنما يُستفهَم بها عن العلم، فحينئذٍ لا بد أن يكون إما تصورًا وإما تصديقًا، وحينئذٍ إما أن يُطلب معًا بالأداة أو أحدهما .. إما معًا التصور والتصديق وهذا خاصٌّ بالهمزة هي أم الباب، أو التصديق فقط وهو (هل) ، أو التصور فقط وهو باقي الأدوات.

القسمةُ هكذا عامّة، نقول: هذه عقلية، لكن كون (هل) للتصديق فقط لا للتصوّر فقط، وأدوات البقية للتصوّر فقط دون التصديق هذا استقرائي بالنظر في كلام العرب، لأن العقل ما يدلُّ على أن (هل) للتصديق .. العقل ما يمنع أن تكون (هل) للتصور فقط، وما يمنعُ العقل أن تكونَ (هل) للتصديق والتصوّر معًا، إذن: هذا يكون من جهة الاستقراء.

بعكسِ ما غَبَرْ، يعني: بعكسِ باقي الأدوات بعدَ الهمزة و (هل) فإنها تكون للتصوّر فقط، ونأخذها على ما ذكره الناظم رحمه الله.

هلْ أيٌّ، يعني: وأيٌّ .. أيٌّ هذه يُطلَب بها التصور ويُسأل بها عمّا يميز أحد المتشاركين في أمرٍ يعمُّهما، هذه الأدوات كلّها لها مواضع يُسأل بها، والناس الآن في الاستفهام يختار أي شيء ويسأل به، نقول: هذا لا .. لا يوافق، وإنما إذا أردتَ السؤال عن شيءٍ مُشترَك، وتريد تمييزه بعضه عن بعض، تأتي بـ (أي) (( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا ) ) [مريم:73] يعني: هل نحن وهم الكفار، أم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ اشتركَ الكفار والمؤمنون هنا في الفريقية، كلٌّ منهما حزب متقابلان، أليس كذلك؟ هذا قدرٌ مشترَك بينهما، كلٌّ منهما ينتصرُ لما عنده من حقٍ أو باطل، هذه فريقية اشتركا، لكن ما الذي يميزُ هذا عن هذا؟ حينئذٍ يأتي الجواب مُعيِّنًا، ويأتي السؤال بـ (أي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت