اوْ تكذيبِ، يعني: إبطالٍ، وضابطُه: هو الذي يَقتضي أن ما بعده غير واقعٍ، وأن مُدّعيه كاذبٌ: (( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا ) ) [الإسراء:40] (( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ) ) [الإسراء:40] نقول: هذا استفهام .. مَن يُنكِر المجاز ماذا يجيب، هذا استفهام حقيقي؟ إذا قيل: حملُ اللفظِ على حقيقته نقول: (( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ ) ) [الإسراء:40] نقول: هذا إنكارٌ تكذيبي، يعني: المراد إبطالُ ما هم عليه، وأنّ ما بعد الاستفهام ليس بواقع، فرقٌ بين: (( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ ) ) [الإسراء:40] وبين: (( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) ) [الصافات:95] .. (( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) ) [الصافات:95] هذا واقع، لكنه مذموم، و (( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا ) ) [الإسراء:40] هذا غير واقع.
ثم إما أن يَرِد للتكذيب في الماضي أو في المستقبل، بمعنى: لم يكن، أو لا يكون، فالماضي كالآية السابقة التي ذكرناها، والمستقبل: (( أَنُلْزِمُكُمُوهَا ) ) [هود:28] هذا في المستقبل، يعني: لا يكون هذا .. لا يكون الإلزام منه جلّ وعلا.
ثم قال: وقد يَجيْ أمرٌ ونهيٌ ونِدا: هنا انتهى من الاستفهام وعادَ إلى الأمر، عرفنا حقيقةَ الأمر، وأن لفظه: افعل ونحوه، المرادُ به طلبٌ لإيجاد شيءٍ غيرِ حاصل، وكذلك النهي والنداء ونحو ذلك، قد تخرجُ عن معانيها الأصلية فتُستعمَلُ في غير تلك المعاني، لكنه على جهة المجاز، ولذلك قال: وقد يَجيْ، لما كان قليلًا عبَّر بـ (قد) وهنا للتقليل، كما قال هناك: ربّما عَبَرْ، وربّ هنا للتقليل، هذا هو الأصل فيها.
وقد يَجيْ أمرٌ في غير معناه الأصلي الذي وُضِعَ له في لسان العرب، قد يذكرُهُ الأصوليون .. يهتمُّون بهذه كثيرًا، وقد يجي أمرٌ لا لطلبِ فعلٍ غير حاصلٍ، وإنما قد يأتي للإباحة: (( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) ) [البقرة:60] هذا أمر؟ الصيغة صيغة أمر، لكن هل هي في معناها؟ نقول: لا، المراد به الإباحة، كلُوا .. إذن: خرجَ عن أصلِهِ، فنقول: كلوا دلَّ على الإباحة، حقيقة أو مجاز؟ نقول: مجاز، إذن: للإباحة، (( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) ) [البقرة:60] نقول: هذا مجاز.
والتهديد: (( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) ) [فصلت:40] اعملوا نقول: هذا أمر في الأصل، لكنه ليس مرادًا به الأمر بل التهديد.
والإهانة: (( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) ) [الدخان:49] .
والتعجيز: (( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) ) [البقرة:23] .
والتسوية: (( فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ) ) [الطور:16] .
والتسخير: (( كُونُوا قِرَدَةً ) ) [البقرة:65] .
والتخيير: تزوَّج هندًا أو أختها، إلى آخره، ذَكروا خمسة وعشرين معنى، وكلها مجاز، وإذا استُعمل في معناه الأصلي، قيل: حقيقة، وما عداه مجاز.
وقد يَجيْ أمرٌ ونهيٌ: وهو صيغة: لا تفعل، قد لا يُراد بها النهي الذي وُضِعَ له في لسان العرب، وإنما يأتي لقصد الامتثال، لا تعصِ أمري، نقول: المراد به يعني: امتثل أمري.