ويأتي للتهديد: لا تفعل .. لا تصلِّ، قد يُهدِّد الأب ابنه يقول: لا تصلِّ، يعني: إذا لم تصل حينئذٍ سيكون لك عقاب شديد، لا تمتثل أمري، ونحو ذلك.
ويأتي للتقليل: (( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ ) ) [الحجر:88] فهو قليل حقيقةً.
ويأتي للدّعاء: (( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا ) ) [آل عمران:8] لا: ناهية في الأصل، لكن نقول: هنا استُعمِل دعاء مجازًا، بخلاف ما يذكرُهُ البعض بأنه حقيقة في الدعاء ونحو ذلك.
والبيان: لبيان العاقبة: (( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ) [آل عمران:169] أي: عاقبة الجهاد لا الموت.
ونهيٌ ونِدا، يعني: استعملوا النداء في غير معناه، كما استُعمِلَ الأمر في غير معناه، والنهي في غير معناه، فقد يأتي للإغراء: يا مظلوم .. تريدُ إغراءه على زيادة التظلم، هذا إغراء حث له، يا مظلومُ فيزداد يشتكي، فتقول: يا مظلوم، هذا إغراء له.
والاستغاثة: يا لله للمسلمين.
ويأتي للتحسر والتوجع، كما في نداء الأطلال والمنازل وما أشبه ذلك.
في غيرِ معناهُ لأمرٍ قُصِدا، يعني: لا بدّ لنكتة .. فائدة، ولذلك إذا قيلَ: بأنه مجاز لا بدّ من التماس قرينة وعلاقة بين الأصل والفرع.
لأمرٍ: اللام هذه للتعليل، والمراد بالأمر هنا النكتة المقتضية للعدولِ عن الحقيقة إلى التجوُّز بالأمر غيره، قُصِدا، يعني: مقصودًا للمتكلم.
إذن: قد يجي .. وقد يَجيْ أمرٌ ونهيٌ: يجي بالتخفيف، يعني: بدون همز .. للوزن، وقد يَجيْ أمرٌ ونهيٌ ونِدا في غيرِ معناهُ، يعني: قد يخرجُ الأمرُ وما عُطِفَ عليه عن معانيها الأصلية لنُكتة.
ثم قال: وصيغةُ الأخبارِ .. وصيغةُ الإخبارِ: يجوزُ الوجهان، وصيغةُ الإخبارِ: مصدر، وصيغةُ الأخبارِ، والصيغة المراد بها هنا، يعني: الجملة التي يصحُّ الإخبار بها، وليس المراد بها الحركات والسكنات، لكن يذكرها في باب الوزن هناك يقول: الصيغة لا، هناك الصيغة متعلَّقها المفرد، وهنا المركب: الجملة الاسمية، أو الجملة الفعلية، لأن الخبر الأصلُ فيه أنه لا يدلُّ على الطلب، وإذا دلَّ على الطلب نقول: استُعمِل في غير معناه.
وصيغةُ الإخبارِ تأتي للطَّلَبْ، يعني: تقعُ صيغةُ الخبر ويُراد بها الإنشاء، لأن الإنشاء هنا إذا أُطلِق المراد به الإنشاء الطلبي:
وإنما المقصود منه الطلبي طالب ما يُفقد وقتَ الطلبِ
وصيغةُ الإخبار تقعُ ويراد بها الإنشاء، لنكتة .. لفائدة، لِفَأْلٍ: لفألٍ .. رأس وراس، فأس وفاس لغتان، ولا يقال: تخفيف، إنما يقال: لغةٌ في هذا، لِفَأْلٍ، يعني: تفاؤل .. يأتي للتفاؤل، بوقوع المعنى المطلوب فيُعبَّر عنه بصيغة الماضي، كالحاصلة التي يُخبَر عنها بأفعالٍ ماضية: غفَرَ الله لك، هل وَقَعت المغفرة؟ الله أعلم، لكن نُعَبِّر بالماضي عن قولنا: ربِّ اغفر له .. الأصل يقول: رب اغفر له، يعني: يأتي بصيغة الطلب، لكن نقولُ: غفرَ الله لك، ورحمَك الله، وبارك الله فيك، ونفعَ الله بك، كل هذه أفعال ماضية للدلالة على أن معانيها كأنها واقعةٌ من باب إحسان الظن بالرب جلّ وعلا وسعة رحمته.