وكان ينبغي له أن يُقدِّم الوصل له في التعريف؛ لأن الفصل عدمٌ مضافٌ للوصل، فلا يُعَرَّف إلا بمعرفة الوصل، ولم يفعل ذلك، بل قدَّم الفصل في التعريف مُوافقةً لما في الترجمة، يعني: أراد أن يُرتّب في التعريف ما رتَّبه في الترجمة، فقدَّم الفصل والوصل، ثم عرَّف الفصل ثم الوصل.
والناظم هنا وافقَ صاحب الأصل، لأنه نظمَ التلخيص، فصاحب الأصل في التلخيص قدَّمَ الفصل على الوصل فوافقه، بخلاف السيوطي رحمه الله تعالى في عقود الجمان، وكذلك صاحب الأصل التلخيص في الإيضاح عكس، قال: بابٌ في الوصل والفصل، وهو خالفَ نفسَه، لأن الإيضاح هو أولُ شرحٍ للتلخيص، التلخيص للخطيب القزويني وضعَهُ واختصرَه من المفتاح للسكاكي، ثم أُغلِقت عباراته وطُلِبَ منه أن يوضِّحه فكأنه أعاده لكن بعبارة أوسع من سابقه.
ولذلك كلُّ من شرح التلخيص لا بد أن يُدمج فيه الإيضاح، والسيوطي رحمه الله تعالى، كل متتبعًا له يكاد أن يكون نظمَ الإيضاح لا التلخيص، هو ادّعى أنه نظم التلخيص وزاد عليه، والزيادات التي أوردها في عقود الجمان كلها أو جلها، والأول أرجحُ: أنها مأخوذة مِن الإيضاح على نفس الترتيب ونفس الأمثلة، ونفس الشرح للأمثلة، ونفس الاعتراضات، تجدُها منظومةً في عقود الجمان.
عقودُ الجمان في الظاهر أنه نَظمٌ للإيضاح الذي هو شرحٌ للتخليص، فمن حفِظَ العقود حفِظَ الإيضاح، والإيضاح كتابٌ ضخم.
والناظم وافقَ صاحب الأصل، حيث قدَّم الفصل على الوصل، ولذا خالفه هو في الإيضاح نفسه، وكذلك السيوطي في العقود، فقدَّم الوصل على الفصل في الترجمة لا في التعريف، لكون الوصلِ بمنزلة الملَكة، والفصل بمنزلة عدمِه، والأعدام إنما تُعرَفُ بملكاتها، يعني: كيف تعرفها .. كيف تحدُّها؟ بالملكات.
الفصلُ تركُ عطفِ جملةٍ أَتَتْ ... مِنْ بعدِ أُخرى عَكْسُ وصلٍ قَدْ ثَبَتْ
عَكْسُ: بالرفع لا بالنصب، عرَّفَ في هذا البيت الفصل والوصل، والفصل لغةً: القطع، الفصل في اللغة هو القطع، مأخوذٌ من اللفظ نفسِهِ، لأن فصل هذا: فَعْل، مصدرٌ لفصَل يفصِل فصلًا، والقطع مأخوذٌ من اللفظ، ومعناه في لسان العرب: هو القطع.
وأما اصطلاحًا، فقال المصنف: ترك عطف جملةٍ أَتَتْ مِنْ بعدِ أُخرى، يعني: كما قال الشارح: تركُ عطفِ بعض الجمل على بعضٍ، لأنك إذا تصوَّرت الجمل حينئذٍ كالمفردات، المفردات قد يُعطَف بعضُها على بعض، وقد يُترك عطفُ بعضها على بعض، إما أن تُعطَف أو لا تعطَف، الجملُ شأنها شأن المفردات، قد يُعطَف بعضها على بعضٍ، وقد لا يُعطَف بعضها على بعض، تعطف .. لا تعطف، وهذا وجه القسمة، فصلٌ ووصلٌ، فإن فصلتَ بمعنى: أنكَ تركتَ العطف ولم تعطف الثانية على الأولى سُمي فصلًا، وإن عطفت سُمي، سُمي: وصلًا، هذا المراد بقوله: تركُ.
ولذلك الترك عدم، ولذلك صارَ الفصل هو عدمٌ، والوصل إيجادٌ، لأنه نُطقٌ بحرفٍ من حروف العطف المشهورة المعروفة.