فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 828

فحينئذٍ على الثاني وهو: أن لا يكون لها يعني: الجملة الأولى محلٌّ من الإعراب إن قُصِدَ بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض الحروف، يعني: حروف العطف، سوى الواو عطفت عليها بذلك الحرف، فتقول مثلًا: دخلَ زيدٌ خرجَ عمروٌ، دخلَ زيدٌ: هذه جملة استئنافية، هل لها محلٌّ من الإعراب أو لا؟ ليس لها محلٌّ من الإعراب، دخل زيدٌ خرج عمروٌ، حينئذٍ إن كان خروج عمروٌ مُرتَّبًا على دخول زيد، بأنه وقع بعده مباشرةً، حينئذٍ جئتَ بالفاء قلت: دخل زيدٌ فخرج عمروٌ، عطفتَ هنا بسوى الواو لإفادة أن الجملة الثانية مرتبطة بالجملة الأولى، وإن لم يكن للجملة الأولى محلٌّ من الإعراب، وإنما قصدتَ أن الثانية مُرتبطة بالأولى، ارتباط ترتّب الفاء من حيث التعقيب على الجملة السابقة، كما تقول: جاء زيدٌ فعمروٌ، كذلك تقول: دخلَ زيدٌ فخرجَ عمروٌ.

وهذا إذا أردتَ الإخبار بأن الجملة الثانية مرتبطة بالجملة الأولى، وأنها وقعت بعدَها مباشرةً، يعني: بلا مُهلةٍ، وتقول: خرجتُ ثم خرجَ زيدٌ، خرجتُ: هذه جملة استئنافية لا محلّ لها من الإعراب، ثم خرج زيد، كالأولى .. كالسابقة، إلا أنه أرادَ أن يُرتِّب الثانية على الأولى ولكن بفاصلٍ، وهو الذي دلّ عليه لفظ: ثم، يعني: خروجُ زيدٍ مُترتِّبٌ على خروج عمروٍ، لأن: ثم، تُفيد الترتيب ولكن بمهلة، أو تقول: ويُعطيك زيدٌ دينارًا أو يكسوكَ جبةً، إذا أردتَ أن تُخبِر أنه يفعل واحدًا منهما لا بعينه.

إذن: إن لم يكن للجملة الأولى محلٌّ من الإعراب فحينئذٍ إن قُصِدَ ارتباطُ الثانية بالأولى جئتَ بحرفٍ من حروف العطف، ولكلّ حرفٍ من حروف العطف سوى الواو له معنىً يخصُّه، فحينئذٍ المعاني تكون كائنةً في النفس، والذي يُعبِّر عنها هو العطف، إن لم تقصد ذلك: أن الثانية مُرتبطة بالأولى، وإن لم يُقصد ذلك، أي: بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض حروف العطف سوى الواو، فحينئذٍ ننظُر، فإن كان للأولى حُكمٌ لم يُقصَد إعطاؤه للثانية تعيَّن الفصل، بمعنى:

أنكَ إذا أردتَ أن ثَم انفصالًا في المعنى، وأن الجملة الأولى قد دلَّت على معنىً لا تستحقه الجملة الثانية، حينئذٍ وجبَ الفصل، ومنه المثال السابق: (( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة: 14 - 15] هنا الفصل واجب، لأنكَ تُريد أن الأولى لها حكمٌ لا يجوزُ إعطاؤه للثانية، وهو أن الثاني من مَقول الله عز وجل: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ ) ) [البقرة:15] هذا إخبارٌ من الرب جلَّ وعلا عن صفةٍ من صفاته، وإن كانت مُقابلة لما سبق، فلو عطفتها حينئذٍ أعطيتَ الثانية حُكم الأولى وهذا باطل، فتثبت لقوله: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] أنه من مَقول المنافقين وليس بمرادٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت