إذن: وإن لم يُقصَد ذلك فإن كان للأولى حكمٌ لم يُقصَد إعطاؤه للثانية تعيَّن الفصل كالآية التي ذكرناها، لم يعطف: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] على: قالوا؛ لئلا يشاركَه في الاختصاص بالظرف المقدَّم، وهو قوله: (( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) ) [البقرة:14] هذا وجهٌ آخر في عدم العطف، وهو أنه: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] مُطلقًا أو مُقيدًا .. (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] بالمنافقين، مُطلقًا أو مُقيدًا؟ نقول: الآية مُطلقة، فيعمُّ الحالين: إذا خلوا إلى شياطينهم أو لم يخلوا إلى شياطينهم.
فإن جعلنا هذه الآية معطوفةً على سابقتها حينئذٍ نقول: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] متى؟ إذا خلوا، لأن قوله: (( قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) ) [البقرة:14] متى يقولون: في الإظهار والبروز للمسلمين، أو في الخفاء؟ في الخفاء، حينئذٍ يكون قولهم مُقيدًا بالخلوة إلى شياطينهم، فإذا جعلتَ: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] معطوفًا على (( إِنَّا مَعَكُمْ ) ) [البقرة:14] قيَّدتَه بماذا؟ أن الله يستهزئ بهم في خلوتهم، وحينئذٍ يكون له مفهوم مخالفة، وهو أنهم إذا لم يخلوا إلى شياطينهم فاللهُ لا يستهزئ بهم، وهذا ليس بمراد.
حينئذٍ وجبَ الفصل لهذين الأمرين: الأول: أنك إذا عطفتَ على: (( إِنَّا مَعَكُمْ ) ) [البقرة:14] صارَ قوله: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] من مَقول المنافقين وليس كذلك، ثم إذا عطفتَه على: (( إِنَّا مَعَكُمْ ) ) [البقرة:14] دخلَ في حيِّز (إذا) ظرف .. إذا خلوا، إذن: له مفهوم، يعني: هذا شرط، فحينئذٍ إذا لم يخلوا فلا يستهزئُ بهم الله عز وجل، نقول: هذا ليس بمرادٍ.
لم يَعطف: (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة:15] على: قالوا، لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المقدَّم وهو: (( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) ) [البقرة:14] فإن استهزاء الله تعالى بهم مُتّصِلٌ لا ينقطعُ بكل حالٍ من الأحوال، خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا، إن لم يُقصد ذلك، يعني: بيان ارتباط الثانية بالأولى فحينئذٍ إما أن لا يُراد إعطاء الثانية الحكم الذي ارتبط بالجملة الأولى، حينئذٍ وجب الفصل، وإن لم يكن للأولى حُكمٌ هذا يقابل الأول .. إن لم يكن للأُولى حكمٌ فثَم احتمالات، فإن كان بين الجملتين كمال الانقطاع، وليس في الفصل إيهامُ خلافِ المقصود، أو كمال الاتصال، أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى، أو بمنزلة المتّصلة بها، هذا أربعةُ أحوال كذلك يتعيَّن الفصل .. وجب الفصل، وهذا ما نشرعُ في ذكره من كلام المصنف رحمه الله تعالى.