تُنَزَل الثانية بمنزلة التأكيد المعنوي من متبوعه كإفادة التقرير مع الاختلاف في المعنى: (( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) ) [البقرة: 1 - 2] فإن جملة: لا ريبَ فيه، هنا مفصولةٌ عن الجملة السابقة، وهي جملة: ذلك الكتاب، والفصل واجبٌ هنا، لماذا؟ لأنها بمنزلة: نفسُه، من قولك: جاء زيدٌ نفسُه، فالثانية تعتبر من حيث المعنى مؤكّدة للجملة الأولى، لأن قوله: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ) [البقرة:2] ذلك: المشار إليه معظم، والكتاب محل بـ (أل) حينئذٍ دلَّ على الكمال، والكمال قد يقع فيه نوع مبالغة وتجوز، فقد يفهم المخاطب، وخاصة إذا كان المقروء عليه كافر، قد يفهم المبالغ بأن ذلك الكتاب الكامل، يعني: في الهداية ونحوها، قد يقول: بأن هذا فيه نوع تجوّز.
(( لا رَيْبَ فِيهِ ) ) [البقرة:2] هذا جاء من باب التوكيد، كأن قلت: جاء زيدٌ، فاحتملَ، ثم قلت: نفسه، حينئذٍ (( لا رَيْبَ فِيهِ ) ) [البقرة:2] وزان: نفسُهُ، من قولك: جاء زيدٌ نفسُه، فنفسُه: توكيدٍ معنوي، و: لا ريب، هذه وجبَ الفصل لأنها توكيد معنوي، فإن: (( لا رَيْبَ فِيهِ ) ) [البقرة:2] في الآية وِزانُ: نفسُه، في قولك: جاء زيدٌ نفسُه.
فإنه لما بُولِغَ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى من الكمال، وهذا مأخوذٌ من تعريف الجزأين، ذلك والمشار إليه معظم جاء باسم الإشارة، الكتاب: عرَّفَه بـ (أل) فعرف الجزاءين مع المجيء باللام الدالة على البعد، ذلك الكتاب، وهذا فيه تعظيم، وأنه بلغَ الدرجة القصوى في الكمال.
كان عند السامع قبلَ أن يتأمّله مَظِنَة أنه مما يُرمى به جزافًا من غير تحقق، هذا لا يقال في شأن المسلم، القرآن قد يخاطَب به الكفار ولا تستغرِب، قد يظنُّ السامع أنه مما بُولِغ فيه، وأن هذا الكلام لا حقيقةَ له، فقيل: (( لا رَيْبَ فِيهِ ) ) [البقرة:2] نفيًا لذلك الوهم الذي يقعُ في النفس، إتباع زيدٌ نفسه إزالةً لما عسى أن يتوهم السامع أنه في قولك: جاءني زيدٌ متجوزٌ أو ساهٍ، يعني: مثله، هذا النوع الأول: وهو أن تكون الجملة الثانية مُنَزَّلةً من الأولى مُنَزَّلة التوكيد المعنوي.
النوع الثاني: أن تُنَزَّل الثانية من الأولى مُنَزَّلة التأكيد اللفظي من متبوعه في اتحاد المعنى، وأما اللفظ فهو مُتّحد، كقوله تعالى: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة:2] على جعل: هُدىً أنه مُبتدأ، والتنوين هنا للتعظيم، وفيه أوجه في إعراب: هدًى، يُحتمَل أنه حال .. يُحتمل أنه خبر ثان، بعضهم أعربه تمييز، إلى آخره، لكن على اعتبار أنه مُفتتح جملة، هدىً: مبتدأ، للمتقين: خبرٌ عنه، فحينئذٍ: (( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة:2] يعني: معنى هذه الجملة أنه في الهداية بالِغٌ درجةً لا يُدرَك كنهُها، حتى كأنه هداية محضة، وهذا معنى قوله: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ) [البقرة:2] هو في المعنى نفسه، (( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) ) [البقرة:2] هو معنى: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ) [البقرة:2] لأن: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ) [البقرة:2] قلنا: المراد به الكمال، ولا شكّ أنه إنما أُنْزِل هدايةً للمتقين.