وَالإبْدالِ لِنُكْتَةٍ، إذن: بأن تكونَ الثانية بدلًا من الأولى، والمقتضي للإبدال الموجِب: كون الأولى غير وافيةٍ بتمام المراد بخلاف الثانية، يعني: يكون ثَم شيءٌ في المعنى، في استيفاء المعنى المراد من الجملة الأولى، فتأتي الثانية مُكمِّلة لها: أكلتَ الرغيف، الرغيف هذه ما أكلتُه كله، هل وفت بالمراد؟ أكلتُ الرغيف، وأنا ما أكلتُ الرغيف كله، هل وفَّت بالمراد؟ لا، إذا قلت: ثلثه، جئتَ بالبدل مُكملا للمراد، كذلك الجملة، قد تأتي بجملة ولا تُوفي بالمراد، المراد يكون أخصّ.
فحينئذٍ تأتي بالبدل يكون رافعًا لذلك الاحتمال الذي تكون الجملة الأولى قد عمَّمته، أكلت الرغيف: قد يظن الضان أن كل الرغيف وليس كذلك، بل المراد بعضه، فإذا قلت: أكلتُ الرغيف نصفَه، إذن: البدل هنا جِيء به لكون الجملة الأولى غير وافية، أو اللفظ الأول غير وافٍ، كذلك هنا في الجُمَل، كون الأولى غير وافيةٍ بتمامِ المراد بخلاف الثانية .. الأولى غيرُ وافية بتمام المراد، والثانية وافية.
والمقامُ يقتضي اعتناءً بشأنِهِ لنُكتةٍ كما قال المصنف هنا، يعني: قد تكون النكتة كونه مطلوبًا في نفسه، أو فضيعًا، أو عجيبًا، أو لطيفًا، بمعنى: أنكَ تذكرُ البدل في الجملة الثانية لغرضٍ من هذه الأغراض: إما لفضاعته، أو لكونه لطيفًا، أو شيئًا يُتعجَّب منه فتذكرُهُ بشأنه، وهو ضربان .. الإبدال الذي يكون جملةً ضربان:
أحدهما: أن تُنَزَّل الثانية من الأولى مُنَزَّلة بدل البعض من متبوعه، يعني: تكون الأولى عامة، مثل: أكلتُ الرغيف، والثانية تكون خاصّة، تحدِّد المراد من الجملة الأولى، أو تشرح أو تفسّر، كقولك: نصفه، من قول: أكلتُ الرغيف نصف.
قال تعالى: (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) ) [الشعراء:132] هذه جملة، (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) ) [الشعراء:132] بالذي تعلمونه، هل فيه تعيين وتمييز؟ لا، فيه تعميم، وهنا المراد به إظهار المنة، وهذا فيه إحالة على علمهم وقد لا يُوفُون بذلك، قال تعالى: (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) ) [الشعراء: 132 - 134] الثانية بعضُ الأولى، أليسَ كذلك؟ أمدَّكم بما تعلمون، ومما تعلمونه ما ذُكر في الثانية، حينئذٍ أمدَّكم بأنعام وما عُطِفَ عليه وجب الفصل، لأن هذه مُنَزَّلةٌ مُنَزَّلة بدل البعض من الكل، كما قلت: أكلتَ الرغيف نصفه، فأمدكم بأنعام مثل: نصفه، هذا بدل بعض من كلٍ.
فإنه مَسوقٌ للتنبيه على نعمِ الله تعالى عند المخاطبين: (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) ) [الشعراء:132] هذا أرادَ به تنبيه المخاطب بأنه مُنعَمٌ عليه، ثم هذه النعم لا تُحصى، ولذلك جاء بصيغة العموم (بما) بالذي، وهذه من صيغ العموم: بالذي تعلمونه، حذَفَ المفعول به، فإنه مَسوقٌ للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطبين، وقوله: (( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ ) ) [الشعراء:133] إلى آخره، أوفى بتأديةِ ذلك مما قبله، لأنه نصٌّ في النعم التي أرادها الله عز وجل، بالتنصيص عليها، لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم، مع كونهم معاندين، لأنهم معاندون ..