وقد يُقال: (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) ) [الشعراء:132] وتأتي النعمة يقول: لا ليست بنعمة، لأنهم مُعاندون، قد لا يعترف، لكن لما قيل: (( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ) ) [الشعراء:133] إلى آخره، حينئذٍ كان تنصيصًا على النعم أوفى في المراد وهو إظهار المنة من التعميم الذي جاء في قوله: (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) ) [الشعراء:132] .
لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم، مع كونهم مُعاندين، والإمداد بما ذُكِرَ من الأنعام وغيرها، بعضُ الإمداد بما يعلمون، مثلها، وقال بعضهم: يحتملُ الاستئناف، يعني: الجملة الثانية تحتمل أنها استئناف، على كلٍ هذا مثال: (( أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ ) ) [الشعراء: 132 - 133] وما عُطف عليه.
هنا: أمدّكم .. أمدّكم! يجب الفصلُ لأن الثانية مُنَزَّلةٌ مُنَزَّلة البدل بدل البعض من الكل من الجملة الأولى، فكما لا تقول: أكلت الرغيفَ ونصفه، العطف يقتضي المغايرة، فإذا غايرتَ بينهما بالحرف جعلت الثاني غير الأول: أكلتُ الرغيف ونصفه، يعني: وزيادة؛ رغيف ونصف، وأنَت أردتَ ماذا؟ انظر حرف نكس المعنى، أكلت الرغيف نصفه، يعني: نصف الرغيف، أكلت الرغيف ونصفه، أمدّكم بما تعلمون وأمدّكم بأنعام .. إذن: صار مغايرة، والثاني هو معنى الأول.
وثانيهما: أن تُنَزَّل الثانية من الأولى منزَّلة بدل الاشتمال بمتبوعه: أعجبني زيدٌ علمه، أعجبني زيد جماله .. طوله .. علمه .. رشاقته، إلى آخره، ملبسه يحتمل، فإذا قلت: أعجبني زيدٌ علمُه، هذا بدل اشتمال، تكون العلاقة بغير الكلية والجزئية، أعجبني زيدٌ علمه .. أعجبتني الجارية حسنُها، كقوله تعالى: (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) [يس: 20 - 21] ما أجمل أن يُمثَّل بالقرآن في مثل هذه المواضع.
(( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس:20] اتبعوا، ما قال: واتبعوا، قلنا: وجبَ الفصل، لأن هذه الجملة دالةٌ على وصفٍ في المرسلين الذين تعلَّقت بهم الجملة الأولى (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس:20] المرسلين من وصفهم أنهم لا يسألون أجرًا، حينئذٍ صارت الجملة الثانية واجبة الفصل لأنها بمنزلة: أعجبني زيدٌ علمه، لأنّ هذه الثانية دالةٌ على وَصفٍ في الأول، وهذا الوَصف ليست العلاقة بينهما الكلية والجزئية، وهو ضابطُ الاشتمال .. بدل الاشتمال.
(( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) [يس: 20 - 21] فإن المراد به حملُ المخاطبين على اتباع قولِه تعالى: (( اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) [يس: 21] أوفى بتأديةِ ذلك، يعني: ابتعوا المرسلين، قد تكون معهم هداية ويطلبون عليها مالا، وقد لا تكون معهم هداية وقد لا يطلبون عليها مالا، قد يطلبون عليها مالا أجرا وقد لا يطلبون، فقوله: (( اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ) ) [يس: 21] .