فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 828

إذن: دنياكم لن يتعرَّضَ لها المرسلون بشيء، وإنما هي مُتابعةٌ في الهدي المستقيم، فحينئذٍ تكون الجملة الثانية أدقّ من حيث الوفاء بالمراد الذي أُريدَ به لقوله: (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس: 20] لأنه فيه نوعُ عموم، وتنبّه هنا الخطاب ليس للمسلم، قد يقول قائل: كيف نأتي بهذه المعاني؟ هذا القرآن يخاطَب ابتداء الكفار .. أول ما خُوطِب به الكفار، فتأتي هذه المعاني الذي قد يكون فيها نوع فساد، أو خلل عند ذلك الذهن، فأما المسلم فلا، إذا عرفَ مَن هو الرسول وإلى آخره، فإذا قرأ: (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس: 20] حينئذٍ يتأتى معه المعنى الصحيح على الوفاء، فيُحمَل قوله: (( اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ) ) [يس: 21] فيما إذا كان المخاطَب كذلك، فتبقى النكتة البلاغية كما هي، فإن المراد به حملُ المخاطبين على اتباع قوله تعالى: (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس: 20] و: (( اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ) [يس: 21] أوفى بتأديةِ ذلك، لأنه أرادَ تعالى الجملة الأولى ابتداءً، (( اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) [يس: 20] وجوبُ متابعة المرسلين، الذين مِن وصفهم كيت وكيت.

حينئذٍ تكونُ الثانية مُعينةً على القيام بما دلَّت عليه الجملة الأولى، لأن معناه: لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم، وتربحون صحةَ دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة.

فوزانُ الجملةِ الثانية مما قبلها وزان حسنها في قولك: أعجبتني الدار حسنُها .. مثلها، فحينئذٍ يكون الجملة الثانية قائمةً مقامَ بدل الاشتمال، ولذلك وجبَ الفصل، بمعنى: أن لا تأتي بفاصلٍ بين الجملتين، فلا تقل: اتبعوا المرسلين واتبعوا .. إلى آخره، كما أنّك لا تقول: أعجبني وعلمه، أعجبني زيدٌ يعني: جماله وملبسه وعلمه زيادةً على ذلك، لكن إذا قلتَ: أعجبني زيدٌ علمه، إذن: الإعجابُ هنا متعلّقٌ بالعلم فقط، لا بماله ولا بهيئته.

لأن معناها مغايِرٌ لمعنى ما قبلها، وغير داخلٍ فيه مع ما بينَهما من الملابسة.

فافْصِلْ لَدى التَّوكيدِ وَالإبْدالِ لِنُكْتَةٍ .. لنكتةٍ: هذا مُتعلّقٌ بقوله: الإبدال، وعرفنا أن النكتة قد تكون الفضاعة .. تكون اللطافة .. تكون شيءٌ من ذلك، وهذا يختلفُ من مثالٍ إلى مثال، وأدخلَ بعضهم في الإبدال عطفَ البيان، لأن المصنف الناظم تركه، أدخلَ بعضهم في الإبدال هناك عطف البيان.

أن تكون الثانية بيانًا للأولى، وذلك بأن تُنزَّل منها مُنزَّلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، والمقتضِي للتبيين: أن يكون في الأولى نوع خفاءٍ مع اقتضاء إزالته، مثل ماذا في المفردات؟ أقسم بالله أبو حفصٍ عمر، عمر: هذا عطف بيان، هو عينُ الأول، أبو حفص مَن هو؟ هو عمر، وعمر من هو؟ هو أبو حفص، إذن: هو عين الأول، ولذلك مثَّلَ بعضهم بعطف، أو بدل الكل من كل في هذا الموضع، فجعلَ الإبدال ثلاث مراتب، والبدل بدل كل من كل هو الذي عبَّرَ عنه بعضهم به بعطف البيان، لكن ثَم فَرقٌ بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت