على كلٍ مثَّلَ بعضهم بقوله تعالى: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [طه:120] (( قَالَ يَا آدَمُ ) ) [طه:120] هل هي جملةٌ مُغايِرة للجملة الأولى، أم هي عينها؟ هي الوسوسة نفسُها، (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ) ) [طه:120] ماذا قال؟ (( قَالَ يَا آدَمُ ) ) [طه:120] إذن: عينُها، مثل قولك: أقسمَ بالله أبو حفصٍ عمر، كذلك الوسوسة هي عينُها: (( قَالَ يَا آدَمُ ) ) [طه:120] حينئذٍ صارَ الجملة الثانية لا يجوزُ عطفها على الجملة الأولى؛ لأنَّ عطف البيان مع متبوعه كالشيء الواحد، فليسا متغايرين، والعطف يقتضي المغايرة فوجب الفصل، وهو ترك العطف.
(( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [طه:120] فصل جملة: قال، عما قبلها لكونها تفسيرًا وتبيينًا للوسوسة، وزانُه وزانُ عمر، في قوله: أقسم بالله أبو حفصٍ عمر، وإنما وجبَ الفصل في التوكيد والإبدال، وكذلك العطف، لأن الوصل يقتضي التغايرَ وليس موجودًا فيهما، يعني: في التوكيد والبدل.
فافْصِلْ لَدى التَّوكيدِ وَالإبْدالِ ... لِنُكْتَةٍ وَنيَّةِ السؤالِ
هذا الموضع الثالث من مواضع وجوب الفصل، يعني: ترك العطف، نية السؤال.
وَنيَّةِ السؤالِ، نوى الأمر نيةً؛ قصدَه وعزَمَ عليه، يعني: العزم على السؤال.
وَنيَّةِ السؤالِ: السؤال هو الاستفهام .. الاستخبار .. طلب الخبر، نية السؤال، بمعنى: تقديره بين الجملتين، أن تكونَ جملة تلو جملة، ثم هذه الجملة الثانية تكون جوابًا لسؤالٍ تقتضيه الجملة الأولى، يعني: تأتي جملة تقتضي سؤالًا، ثم يأتي بالجملة الثانية هي جوابٌ للسؤال الذي ارتضتهُ الجملة الأولى، حينئذٍ يجبُ الفصل .. ترك العطف.
وَنيَّةِ السؤالِ، أي: تقديره من الجملة السابقة، وَنيَّةِ السؤالِ، يعني: يَنوي السؤال أنه كائنٌ من الجملة السابقة، وليسَ هو في الثانية، الثانية جواب، فتكونُ الثانية جوابًا عن سؤالٍ اقتضته الأولى فتُنَزَّل مُنَزَلته فتفصلُ الثانية عنها، كما يُفصَل الجواب عن السؤال، فيُنزَّل ذلك منزَّلة الواقع، كأنه في الخارج سأل، ينزل منزلة الواقع وليس عندنا سؤال، ولكن نُنزِّل في الواقع أن ثَم سؤالًا حصل ووقع مرتبًا على الجملة الأولى، ويُسمّى ذلك الفصل استئنافًا، وكذا الجملة الثانية أيضًا تُسمى استئنافًا.
قال تعالى مُخاطبًا نوح عليه السلام: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] لمَ؟ (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] لا تخاطبني: هذه جملة، (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] هذه جملة، حينئذٍ نقول: الثانية يجبُ فصلُها عن الأولى، لماذا؟ لأن جملة: لا تخاطبني هذا فيه إثارة للسؤال .. (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] ماذا سيصنع بهم؟ قال: (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] واضح؟ فالجملة الثانية واقعة جوابًا لسؤال مقدَّر، حينئذٍ وجبَ الفصلُ بين الجملتين.