فجملةُ النهي: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] تقتضي سؤالًا من شأن المنهي عنه أن يسأل عنه، فيقال: لمَ لا أخاطبك في شأنه.
ومنه: (( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ) ) [يوسف:53] هل النفس أمارة بالسوء: (( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) ) [يوسف:53] فيجبُ الفصل.
ومنه: (( قَالُوا سَلامًا ) ) [هود:69] فماذا قال إبراهيم؟ (( قَالَ سَلامٌ ) ) [هود:69] ، إذن جملة: قال سلامٌ يجبُ فصلها، ومنه قوله تعالى: (( قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ ) ) [هود:69] كأنه قال: فماذا قال إبراهيم عليه السلام؟ فقيل: قال سلامٌ، ووجبَ الفصلُ هنا لصيرورة الثانية كالمقطوعة عمّا قبلها بسبب كونها جوابًا لذلك السؤال المقدّر.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى:
وعدمِ التشرِيكِ في حُكْمٍ جَرى ... أَوْ اخْتِلافٍ طَلَبًا وَخَبَرا
وعدمِ التشريكِ: هذا الموضع الرابع، وعدمِ: بالجرّ على التوكيد، فافْصِلْ لَدى التَّوكيدِ: فافصل لدى عدمِ التشريك، يعني: عند، لدى بمعنى: عند، وهو معطوفٌ على التوكيد.
وعدمِ التشريكِ، أي: تشريك الثانية للأولى، في حُكْمٍ، يعني: الأولى مُطلقًا سواءً كان لها محلٌّ أم لا، جَرى، يعني: مضى، في حكمٍ مضى يعني: سبقَ في الجملة السابقة، أي: من مواضع وجوب الفصل عدمُ اشتراكِ الثانية مع الأولى في الحكم، وهذا فيما قدَّمنا قلنا: الأولى إما أن يكون لها محلٌّ من الإعراب أو لا، فإن كان لها محلٌّ من الإعراب فإما أن يُقصَد التشريك أو لا، الثانية وجبَ الفصل، كالآية التي ذكرناها: (( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ) [البقرة: 14 - 15] هذا مثال صالحٌ هنا وسبقَ شرحه.
إذن: وعدمِ التشريكِ في حُكْمٍ، يعني: تشريك الثانية للأُولى في حكم الإعراب، الذي دلَّت عليه، أو وقعت الأولى موقعه، لأن الجُملة إما أن يكون لها محلّ من الإعراب أو لا، فإن كان لها محلّ من الإعراب فإما أن يُقصَد اشتراك الثانية مع الأولى، فيجب العطف، أو لا يُراد الاشتراك فحينئذٍ وجبَ الفصل، وهذا هو الموضع الذي عنيناه، وذكرنا له المثال السابق.
وعدمِ التشريكِ في حُكْمٍ، يعني: في حكم الإعراب، التنوين لعله نائبٌ عن المضاف إليه، في حُكْمٍ، أي: في حكم الإعراب، جَرى، أي: مَضى، في حكم الإعراب المتعلّق بأي جملة الأولى أم الثانية؟ عدم التشريك، يعني: تشريك الثانية للأولى، في حُكْمٍ: في حكم الإعراب الثابت للجملة الأولى، مطلقًا سواءٌ كان لها محلّ من الإعراب أو لا، يعني: الثانية سواءٌ كان لها محلّ من الإعراب أو لا.
أَوْ اخْتِلافٍ طَلَبًا وَخَبَرا: هذا الموضع الخامس، أَوْ اخْتِلافٍ: أو عندَ اختلاف الجملتين طَلَبًا وَخَبَرا، سبقَ أن الكلام ينقسِمُ إلى خبرٍ وإنشاء، ما احتملَ الصدقَ لذاته جرى بينهم وقضية الخبر، أليس كذلك؟
ما لم يَكُن محتَمِلًا للصدقِ ... والكِذْبِ الإنشا كَـ"كُن بالحقِّ"
ما احتملَ الصدقَ لذاته، كذلك والكذب فهو خبر، وما لم يحتمل فهو إنشاء.