قال: أَوْ اخْتِلافٍ، يعني: واختلفَ اختلاف .. اختلفَ الشيئان لم يتفقا ولم يتساويا، عند البيانيين يجب اتحادُ الجملتين إخبارًا وإنشاءً، يعني: لا تَعطِف إلا الجملة .. لا تَعطِف على الخبرية إلا خبرية مثلها ولو في المعنى، ولا تَعطِف على الإنشائية إلا إنشائية مثلها ولو في المعنى، حينئذٍ لا بدّ من الاختلاف .. لا بدّ من الاتحاد والتساوي من أجل العطف.
حينئذٍ إذا لم يتفقا وجبَ الفصل، هذا المراد، لأنه يجب أن تكون الثانية مثل الأولى في الإخبار والإنشاء.
أَوْ اخْتِلافٍ، أي: مِن مواضع وجوب الفصل اختلافُ الجملتين، أَوْ اخْتِلافٍ، يعني: اختلاف الجملتين، لحالة المضاف لعلّ التنوين هذا أُقيمَ مقامه، اخْتِلافٍ، أي: فافصِلْ لدى اختلاف الجملتين طَلَبًا: تمييز، وَخَبَرا.
أي: مِن مواضع وجوب الفصل اختلاف الجملتين في الخبرية والإنشائية، بأن تكونَ إحداهما إنشائية والأخرى خبرية، وجبَ الفصل، والفصل حينئذٍ لما بينهما من كمال الانقطاع، لأن هذا لا يحتمِل الصدق، وهذا يحتمل؟ بينهما تباين، لأن نقيض الخبر هو الإنشاء، الخبر: ما احتمل الصدق والكذب، ما لم يحتمل فهو الإنشاء، إذن: بينهما تعارض، فكمالُ الانقطاع يقتضي وجوبَ الفصل.
وتحت هذا النوع صورتان:
الأولى: أن تختلفَ الجملتان خبرًا وإنشاءً ولفظًا ومعنىً، كقولهم: لا تدنُ من الأسد يأكلُكَ، لا تدن يأكلْك، الجملة الأولى: لا تدن، هذا النهي، والنهي نوعٌ من أنواع الإنشاء، يأكلُك: هذا خبر، حينئذٍ لا تقل: فيأكلك ويأكلك لا تعطف، لماذا؟ لاختلاف الجملتين خبرًا وإنشاءً، ولا يجوزُ عند البيانيين عطف الخبرية لفظًا ومعنى على الإنشائية لفظًا ومعنىً، وهذا منه، لا تدن من الأسد يأكلك بالرفع.
وهل تُصلح لي كذا أدفعُ إليك الأجرة، كذلك بالرفع، هل تصلحُ: هذا إنشاء، أدفعُ بالرفع، لا يجوز العطف، لماذا؟ لأن أدفعُ هذا خبر، وقوله: هل تصلحُ: هذا إنشاء بالرفع.
وقول الشاعر:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها فكلُّ حتفِ امرئٍ يجري بمقدار
لم يعطف: نزاولها، على: أرسوا لأنه خبرٌ لفظًا ومعنىً، وأرسو: إنشاءً لفظًا ومعنى، والرائد هو الذي يتقدَّمُ القومَ لطلب الماء والكلأ للنزول عليه، وأرسوا، أي: أقيموا بهذا الكلأ الملائم لحرب، وهو مأخوذٌ من أُرسيت السفينة حسبتها بالمرساة، ونزاولها، أي: نحاول أمر الحرب ونعالجه، إذن: لا يصح عطف الخبرية على الإنشائية لفظًا ومعنىً لفظًا ومعنىً.
الصورة الثانية: أن تكون معنىً لا لفظًا، بمعنى: أن تكون الأولى إنشائية لفظًا ومعنىً، والثانية: خبرية لفظًا إنشائية معنىً، أو العكس .. أو معنىً لا لفظًا؟ أن تكون الأولى خبرية لفظًا ومعنىً، والثانية خبريةً لفظًا، وأما في المعنى فهي إنشائية، حينئذٍ اتحدا في اللفظ، لكن في المعنى الثانية لم تُوافِق لفظها، فهي اللفظ خبرية مُوافقِة للجملة الأولى، لكنها في المعنى إنشائية، هل يُعطَف أو لا يعطَف؟ لا يعطف، وإن اتحدا في اللفظ إلا أن الثانية لما أُوِّلت بالإنشاء حينئذٍ امتنعَ أن تعطف على الأولى.