عندنا الآن جملتان: وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلًا وأراها، أُراها هل هو معطوف على تظنُّ أو أبغي، إن عطفنا: وأُراها حينئذٍ نقول: العطف إلى آخر المذكور، فيُوهمُ ماذا؟ يُوهم أنها جملة أُراها معطوفة على أبغي، حينئذٍ يكون من مظنونات سلمى، تظن سلمى ماذا؟ أنني أبغي، وأنني أُراها، وليس كذلك، وإنما أراها بمعنى: أظنُّها، حينئذٍ يكونُ أُراها معطوفًا على الأول تظنُّ سلمى كذا وأُراها، فصار عطفًا على الجملة الأولى، لو فصارت الجملة تابعة للجملة الأولى تظنُّ، فلو عطفنا لأوهمَ أن قوله أُراها من مظنونات سلمى وليس الأمر كذلك، وتظنُّ سلمى أنني أبغي بها بدلًا، أُراها في الضلال تهيم، لم يعطِف أُراها على تظن، كان أول أصل، لكن لو عطفَ لظنَّ السامع أنه معطوف على المتأخر، وليس هو مراد المتكلم.
لم يعطِف أراها على تظن، مع أن بينهما مناسبة في المسند والمسند إليه، لماذا لم يعطِف؟ لئلا يتوهَّم السامع أنه مَعطوفٌ على أبغي لقُربه منه، مع أنه ليس بمرادٍ للمتكلم، إذ لو عُطِف عليه كان من مظنُونات سلمى وهو خلاف المقصود، إذ المقصود أنه يظنُّها كذلك، إذن: تظنُّ وأنا أظنُّ، وليس قوله: أُراها من مظنونات سلمى، حينئذٍ وجبَ الفصل.
إذن: هذه سبع مواضع يجب فيها الفصل.
وَفَقْدِ جامعٍ وَمَعْ إِيهامِ ... عَطْفٍ سِوى المقصودِ في الكلامِ
ثم انتقل إلى بيانِ ما يجب الوصل فيه، فقال:
وصِلْ لدَى التشرِيكِ في الإعرابِ ... وقَصْدِ رَفْعِ اللَّبْسِ في الجوابِ
وَفِي اتِّفاقٍ مَعَ الاتِّصالِ ... في عَقْلٍ اوْ في وَهْمٍ او خيالِ
وصِلْ: هذا أمرٌ والأمر يقتضي الوجوب.
وصِلْ لدى، أي: عندَ، عند قصد التشريكِ في الإعرابِ، وصِلْ، يعني: وجبَ الوصلُ، وهو الإتيان بالعاطف، متى؟ عندَ قصد التشريكِ في الإعرابِ، مرّت معنا أو لا؟ إذا كان في الجملة الأولى لها محلٌّ من الإعراب وقصدتَ تشريك الثانية مع الأولى وجبَ الوصل، إذن: هذا موضع سبقَ شرحه، أي: أن يكون للأولى محلٌّ من الإعراب كأن تكون خبرًا، ويقصِد تشريك الثانية لها في حُكم ذلك الإعراب، نحو: زيدٌ قامَ أبوه وقعدَ أخوه، جملة: قام أبوه: خبر على المبتدأ، وقعدَ أخوه: أراد عطفَها على ما سبق، شَرَّكها في الإخبار، كأنه أخبرَ بخبرين في المعنى، حينئذٍ وجبَ الوصل.
إذن: وصِلْ لدى التشريكِ في الإعرابِ: هذا الموضع الأول.
وقَصْدِ رَفْعِ اللَّبْسِ: قصدِ بالجر، معطوف على التشريك، وصِلْ لدى، أي: عند قَصْدِ رَفْعِ اللَّبْسِ، يعني: قصدكِ أنتَ رفعَ، فيكونُ من باب إضافة المصدر إلى المفعول به، قَصْدِ، القصد محلّه القلب، أي: المتكلم، قصدك رَفْعِ اللَّبْسِ، رفعَ: هذا مفعولٌ به، مثل قوله: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ) ) [البقرة:251] دفع الله، هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.
وقَصْدِ رَفْعِ اللَّبْسِ، أي: الاختلاط، يقول: التبسَ الشيء بالشيء إذا اختلط.