فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 828

قلتَ: زيدٌ أكبر من عمروٍ، تخيَّلت أكبر ثُم مقابله الأقل وصفتَ به زيدًا في الخارج، أما اجتماعهما معًا فلا يُوجَد في الخارج في الشخص الواحد، حينئذٍ وجودهما اجتماعهما في الذهن فحسب .. نعم فإن العقلَ يأبى أن لا يجتمعا في الذهن، فمعنى كون الجامع عقليًا: أنه يصلُ بين الجملتين ويجمع بينهما في القوة المفكرة بسبب العقل، يجمع بينهما بسبب العقل، فالجامعُ العقلي أمرٌ بسببه يجمع العقل المتعاطفين في المفكِّرة .. القوة التي هي محلٌّ للإدراك، وتدركُه النفس بها، وبواسطة العقل فالتماثل: أن يكون لهما حقيقةٌ مخصوصة بوصفٍ زائد، كزيدٌ وعمرو إذا كان بينهما صداقة، كما ذكرنا في المثال السابق:

زيدٌ طويلٌ وعمروٌ عالم، إذا كان بينَهما صداقة، انفِ الصداقة في الذهن، اتحدا صارا شيئًا واحدًا، كزيد وعمرو إذا كان بينهما صداقة أُخِذَت مع حقيقة الإنسانية فصارت جامعًا عقليًا لاتحادهما فيها،؟؟؟ هذه فَلسفةٌ، وكالتضايُف كالأبوة والبنوة لأن المتضايفين يحكُمُ العقل باجتماعهما في المفكِّرة من جهة أنه لا يوجد في العقل أحدُهما إلا والآخر موجودٌ معه، أي قول: زيدٌ قائمٌ وأبوه قائمٌ، زيدٌ قائمٌ وأبوه .. تذكَّرت ماذا في الذهن؟ البنوة.

حينئذٍ إذا قلتَ: زيدٌ أبٌ وعمروٌ ابنه، حينئذٍ لا يُتصوّرُ الأبوه إلا بالبنوة، ولا يُتصوّر يعني: في العقل البنوة إلا بالأبوة، إذ لا يوجَد أب بلا ابن، ولا يوجَد ابن بلا أب، هذا الأصل الجامع المشترك العام في الإنسانية هو هذا .. في البشر، إذا تصوَّرت الأبوة استحضرت البنوة، وإذا استحضرت البنوة حينئذٍ جاءت الأبوة، فيكون الجامع عقليًا تضايُفًا.

اوْ في وَهْمٍ، يعني: الوهمي، وأما الوهمي فهو أن يكون بين تصوّر جملتين شبه تماثل، فهو أمرٌ بسببه يحتالُ الوهم في جمعهما في المفكِّرة كالتقارب للشبه الذي بينَ لونِ البياض ولونِ الصفرة، يعني: أن يقعَ تشابه بين اللونين، البياض لا شكّ أنه مختلفٌ خارج عن الصفرة، لكن بينهما تشابه، حينئذٍ يتخيَّل التماثل في الذهن أمر عقلي، تخيَّلَ أن البياض هو الصفرة، والصفرة هو البياض، لكن في الوجود ليس كذلك، حينئذٍ تخيَّل بواسطة العقل .. توهم بواسطة العقل.

فإن الوهم يُبرِز البياض والصفرة في معرض المثلين، هما ليسا بمثلين، لكن يتوهَّم أنهما مثلان، فيتوصل به إلى جمعهما، وإن كان ذلك التشابه عقليًا، لأنه يأخذُه من العقل ويجمعُ به، ولولا الوهمُ ما صحَّ الجمع لأن العقلَ ينفي الجمع به لإدراك التباين معه، ولذلك حسُنَ الجمع بين الثلاثة في قول الشاعر:

ثلاثةٌ تشرق الدنيا ببهجتها شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

شمس الضحى وأبو إسحاق! توهَّم أن أبا إسحاق يُضيء كالشمس وهو ليس مضيء، والقمر يُضيء لا شك، لكنه ليس كإضاءة الشمس، فحينئذٍ عطفَ أبا إسحاق على شمس الضحى، ولا بد من جمعٍ بينهما، ما هو الجامع؟ توهَّم أن أبا إسحاق يُضيء، إما لعلمه أو إلى آخره، فحينئذٍ جازَ أن يَعطفه على شمس الضحى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت