وأما الخيالي فهو أن يكونَ بين تصورهما تقارُنٌ في الخيال سابقٌ، فهو أمرٌ يحتالُ بسببِهِ في الجمع في المفكِّرة وهو التقارب بين المتعاطفين في المفكرة، ولما كان الجامع الخيالي هو هذا التقارن اختلفَ باختلاف الناس، فرب إنسانٍ يتقارَنُ عنده صورٌ، ولا تقعُ في خلو آخر أصلًا: (( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) ) [الأعراف:31] قال: ولا تسرفوا، هنا الجامع وهمي، ما هو؟ توهَّم الإسرافُ بمُقابلِهِ وهو الأكل باعتدالٍ، لأن الإسراف هو إفراطٌ، ثَم إفراطٌ وتفريط، والاعتدال هو الذي أمر به الرب جل وعلا، (( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) ) [الأعراف:31] حينئذٍ إما أن يكون ثَم إفراطٌ وإما تفريط، فإذا تصوَّرتَ الإسراف حينئذٍ مُقابله متصورٌ في الذهن.
على كلٍ هذه الأنواع الثلاثة مبحثُها يطولُ، لكن هو ما ذكرناه.
والجامعُ هو ما يتذوَّقُه اللغوي فيُدرك بأن بين الجملتين تناسبًا، إما في المسندين معًا، أو في المسند، ومهما حصَلَ التناسبُ حينئذٍ وُجِد الحكم الذي هو لغوي، أما ردّه إلى العقل والوهم والخيال فهذا ردٌّ فلسفي.
ثُم قال .. ختم الباب بقوله:
والوصلُ مَع تناسُبٍ في اسمٍ وفي ... فِعْلٍ وَفَقْدِ مانِعٍ قَدِ اصْطُفي
والوصلُ: هذا مبتدأ، مع تناسبٍ: توافقٍ، في اسمٍ، أي: في متعلَّق اسمٍ، أي: فيما ينشأ عن التصدير به وهو كون الجملة اسمية، وفي فِعْلٍ، يعني: الوصل إذا وجد مُقتضيه حينئذٍ عطفُ الاسمية على الاسمية أولى من عطف الفعلية على الاسمية أو العكس، وعطفُ الفعليةِ على الفعلية أولى، والماضوية على الماضوية أولى من عطف المضارعية على الماضوية، يعني: أن يكون ثَم تناسبٌ، فإذا جاز الوصل أو وجَبَ، حينئذٍ الأنسب أن يكون بين الجملتين تناسبٌ من حيث الاسمية والفعلية.
ثُم الفعلية تختلف: ماض على ماض، هذا الأنسب، وأما مضارع على ماض وإن جاز، لكن الأنسب منه أن يتحدا، هذا المراد بهذا البيت.
والوصل مع تناسبٍ في اسمٍ، يعني: في متعلَّق اسم، وهو ما صُدِّرَ به الاسم وهو الجملة الاسمية، وفي فِعْلٍ، يعني: الجملة الفعلية.
وَفَقْدِ مانِعٍ: الواو بمعنى (مع) هنا، يعني: مع فقد المانع.
قَدِ اصْطُفي: قد للتحقيق، واصطفي: هذا مُغيَّر الصيغة، بمعنى أنه قد اختِيرَ، أي: اختير على الوصل مع عدم التناسب.
إذن: الوصل قد يكون ثَم تناسبٌ بين الجملتين، وقد لا يكون بينهما تناسُب، كلاهما جائزان إلا أن وجودَ التناسب أولى مع عدم التناسب.
قال الشارح في الحلية:"مِن محسِّنات الوصل بعد وجود مصححه - انتبه: بعد وجود المصحح - تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية، وتناسب الفعليتين في المضي والمضارعة"نحو: زيدٌ قائمٌ وعمروٌ قاعد - اسمية على اسمية - ما لم يمنع من تلك المناسبة مانع - وهو الذي أشار إليه بقوله: فَقْدِ مانِعٍ - فإن وجد مانع فحينئذٍ لا شكّ في التناسب والاختلاف.