"ما لم يمنع من تلك المناسبة مانع فيجبُ تركها، ويكونُ الوصلُ على الحالة التي ارتضاها الحال، كما إذا أُريدَ في أحداهما التجدد، وفي الأخرى الثبوت، حينئذٍ لا بأسَ من الاختلاف"نقول نحو: قام زيدٌ وعمروٌ قاعدٌ، هذا إن كانَ زيدٌ وعمروٌ قاعدين، ثم قامَ زيد دون عمرو، قامَ زيدٌ وعمروٌ قاعدٌ، أين التجدُّد؟ قام زيد هذا متجدِّد، لأنه لم يكن قائم، فأخبرتَ عنه بالقيام، وعمروٌ قاعدٌ على أصله، متى يكون ثَم خلاف هنا؟ إذا كان كلٌّ من زيدٍ وعمروٍ قاعدين، ثم قلتَ: قام زيدٌ وعمروٌ قاعدٌ، هنا اختلفت الجملتان، وُجِد المانع وهو أنك أردت بالأولى التجدد والحدوث والثانية البقاء على ما كان، حينئذٍ صحَّ التخالف.
ولذلك قال: والوصل مع تناسبٍ .. وَفَقْدِ مانِعٍ، إن وُجِد المانع كالحدوث ونحوه حينئذٍ نقول: عدمُ التناسب أولى، فتكون الأولى اسمية والثانية فعلية.
قام زيدٌ وعمروٌ قاعدٌ: هنا عطف جملة عمرو قاعدٌ وهي اسمية على الفعلية وهي قام زيدٌ، وهنا لوجود المانع، وهو أننا أردنا بالجملة الأولى الحدوث دون الثانية.
والمقصودُ من البيت: أن الوصل مع المناسبة المذكورة أولى منه مع عدِمها، لا مِن الفصل، ليس المراد هنا أنه لا يُفصَل لا، ليس المراد هنا تقابل الوصل بالفصل، لا وإنما تقابل الوصل بالوصل، حينئذٍ نقول: والوصل مع تناسبٍ قَدِ اصْطُفي على الوصل مع عدم التناسب، فهما درجتان: كلامٌ داخل الوصل، فليس قوله: قَدِ اصْطُفي على الفصل لا، وإنما على الوصل باعتبارِ نفسِه، حينئذٍ يكون هنا التناسُب وعدم التناسب مع الوصل وهو ثابت.
والمقصود من البيت: أن الوصل مع المناسبة المذكورة أولى منه مع عدمها، لا من الفصل كما يُوهمه ظاهرُ المتن، ما لم يمنع من تلك المناسبة مانع.
والوصلُ مَع تناسُبٍ في اسمٍ وفي ... فِعْلٍ وَفَقْدِ مانِعٍ قَدِ اصْطُفي
قَد: للتحقيق، واصْطُفي: هذا مُغيَّر الصيغة، اصطفي من الاصطفاء الصفوة، والخلوصُ من الكدر، يعني: اختير من المصطفى، أي: المختار.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
-ما هي الكتب المعتمدة في شرحك للجوهر، وما هي الكتب المعتمدة في هذا الفن التي لا يستغنى عنها؟
-أما في الجوهر، هذا درسُ اليوم لصعوبته اعتكفتُ على كتابين ثلاثة فقط، وإلا الأصل أنني أبحثُ وأجمع، لكن هذا الفصل صعبٌ جدًا، ولذلك نظَمَه السيوطي في عقود الجمان في سبع وستين بيت، يعني: انظر الفارق بينهما، هذه كم بيتا هنا؟ سبعة، قل: عشرة، ما في مقارنة .. ما في مناسبة! فقدُ جامعٍ بينهما لا تناسب، وهو ينظِم الأمثلة .. ينظم الأمثلة هناك ويجيبُ إلى آخره، وثَم كمال اتصال وشبه كمال اتصال.